القصة القصيرة

آمــــين

عد فترة انقطاع عن العمل دامت لأكثر من أسبوع .. جاءت ، لتجهش بالبكاء كلما ذكر أمامها اسم (زُهرة) .
غريب هذا العالم ..
هذا ما وقر فى قلبى ، و نطق به لسانى عندما رأيتها للوهلة الأولى بعد عودتها من هذا الانقطاع .
لم أرها يومًا فى مثل هذه الحالة ..
دائمًا ما كنا نتجاذب أطراف الحديث الممتع لسبع سنوات منذ التحاقها للعمل بالفرع الذى أمضيت فيه أكثر من خمسة عشر عامًا ..
ضحكاتها كانت ترج أرجاء المكان الذى كان يجمعنا..
لم أألفها باكية منتحبة على هذه الشاكلة أبدًا ، حتى يوم وفاة (زوجها) منذ ثلاثة شهور لم تفارقها الابتسامة و لو كانت خفيفة .
فعادةً ما كانت حمرة خديها تمتزج ببياض وجنتيها في أساريرالبهجة و الخجل الأنثوى الطاغى ، و قدها الممشوق الذى يضارع سارية نصبت فى باحة فسيحة يدور من حولها ملايين المريدين و المعجبين ، و قامتها السابحة صوب الأفق الرحب مــع خـصــرها الملفـوف كأنما قـد مـن المرمر الزعفرانِ النائم على وسائد الشهامة المتلألئة على جبينها الوضاء .
و الغمازتان اللتان تموجان بوجهها الفتان كلما كشفت عن اللؤلؤ المنثور بثغرها الفواح بالأزاهير و الانشراح
كفصل الربيع الذى يلف البوادى من حولنا .
(إلهام) ما بكِ ؟؟.
سؤال وحيد سألته مع كل الزميلات و الزملاء .
و هى ما زالت تجهش بالبكاء ..
من بين سيول الدمع الهادرة من عينيها الكحيلة تجيب (إلهام) :-
حماتى (زُهرة) انتقلت إلى رحمة الله ..
ــ كلنا فى صعيد واحد ..
البقاء لله ..
يرحمها الله .
غلبنى الفضول …
بعد انصراف الزملاء و الزميلات عنها ، بادرتها منفردًا بالإفصاح عن سؤال لم أسأله :-
(أكانت حماتكِ .. يرحمها الله .. قريبة من قلبك) ؟
كفكفت دمعها ، و حاولت أن تمحو آثار الأخدود الضارب في جبينها الشفاف ، ثم استرسلت فى الحديث بلا انقـطاع .
كانت ، و كانت ، و كانت …
لم يبق في خاطرى سوى كلمات قليلة من الحديث الذى امتـد لأكـثر من شهر ، و كلما أصغيت لها يرتحل فؤادى بعيدًا ..
أسبح فى ملكوت آخر ، و أنسج بحارًا من الأحلام ، و أنشئ قصورًا من الآمال الممزوجة بالواقع المتاح بين يدي و ملك يمينى .
(إلهام) لا تتعدى الثلاثين من عمرها .
لم تنجب سوى طفل واحد يبلغ خمس سنوات ..
و أنا أعيش وحيدًا بعد أن انفصلت عن زوجتى منذ سبع سنوات مضت ..
راودنى أن أسِرَّ لها بما يراود نفسى ..
لابد أنها ستوافق ..
فهى .. و هى … و هى ….
مضى أكثر من أربعين يومًا على وفاة خالتها ..
(إلهام) مسترسلة فى سرد بقايا (كليب زُهرة) يكاد يسمعها من فى القبور ، و جسدى لم يعد يقوى على كثرة العدو و حمل ما اعتزم على حمله .
لابد من البوح .. بعد أن تلعثم لسانى و وجدانى .
بلا مقدمات …
قاطعت كل من انتويت البوح به وجهًا لوجه .
تركت دقات قلبى تنطق بما تشاء ..
“هل تقبليننى زوجًا لكِ ؟”.
دام الصمت بيننا وقتًا ليس بالقليل .. من بعدها غطى الحياء كامل نفسها الخجلة .
احترمت حياءها و تركت لها الوقت كى تقرر ما تراه ..
خمسة أيام كاملة مضت بعدما وصلتها رغبـى في الارتباط بها ، و كلما رأتنى فرت من أمامى كمن تهرب
من تصادم لابد من وقوعه .
من بعدها وصلنى الرد ..
نعم ..
سرت في جسدى الغبطة و الرعدة فى آن واحد .
صكت صدرها بحنو غريب ، و مالت بكل جيدها الفتان نحوي ، و أطلقت زفرة من ثغرها البسام .
(إيه.. ما فهمتش ؟) ..
و قبل أن أفيق من غفوتى عاجلتها قائلًا :-
ماذا قلتِ ؟
هَبت واقفة و استدارت بوجهها عنى ..
قلت نعم !!
ألم تسمع قولى ؟
أخـذتُ ما يزيد عن اتساع رئتى من الهواء آلاف المرات شهيقًا .. و حبسته بداخلى ..
ــ نعم .. بمعنى نعم ؟!
أم أنه سؤال ؟؟
ــ بل هو جواب سؤال يوم السبت الماضى الذى لم ينطق به لسانك ..
ــ معنى هذا أنكِ أخذتِ الوقت الكاف ؟
ــ نعم !!
ثم عادت لوضعها الأول بكامل وجهها البشوش الذى أقسم بأعظم الأيمان أنى لم أره بهذا البهاء من قبل ، و أردفت تقول بثبات الواثق الذى انتهى لنتيجة حازمة بعد عدة تجارب قام بها آلاف المرات :-
أنت ثالث إخوتك !
و أصغرهم !
والداك .. يرحمهما الله .
و أنت تجيد فن الطهى ، و غسيل الأطباق ، و ترتيب المنزل ، و كى الملابس .
و عندك غسالة [فول أوتاماتيك] و ثلاجة ، و ديب فريزر ، و جهاز تكييف ، و رصيد فى البنك (مش بطال) ..
كما أنك لا تدخن و لا تشرب القهوة ، و ليس لك أصدقاء سوء .
و أنت طيب القلب ، و دائمًا مطيع ، و صوتك لا يعلوعن حد الهمس .. مثل حماتى .. يرحمها الله ، و يجعل قرارها الجنة “قول معايا (آمين)” ..
لم أخفض بصرى ثانية من فوق محياها الأخاذ ، بالرغم من يقينى القاطع أنها سوف تجهش بالبكاء كثيرًا عندما أنطق بقول (آمين) .
قلت : آمين .
و كانت البداية ….

السابق
متجبّر
التالي
في الملجأ

اترك تعليقاً