القصة القصيرة جدا

أبو المجد

انسحاب فوضوي، الجنود يسيرون على سن سيف بين الموت والحياة، ما أجمل الإختيارين … إما النصر وإما الشهادة، أبو المجد يقفز داخل الأخدود محتميا بكثبان الرمل، يضع يديه على رأسه ووجهه في الرمال تفاديا للطلقات، وبعدما هدأت مدفعية العدو، يرفع رأسه ببطء ليطمئن على أصدقائه، ينادي بهمس بعدما يبصق الرمال من فمه: محمد … يا محمد .. سعيد .. يا واد يا عبد القادر
لا أحد يجيب، يمد يده لأقربهم منه يحرك جسده بلهفة وترقب شديد، جميعهم ماتوا، يدب اليأس إلى قلبه كدبيب العقارب فوق جسد مربوط، لا مفر من موته ،ولكن لأنه صعيدي .. قرر أن يموت وهو يثأر لأصحابه.
رفع رأسه بحذر كالفهد ناظرا نحو العدو ، تحرك زاحفا داخل الاخدود، ورفع الأسلحة على منصاتها وكأن أصدقاؤه لا يزالون على قيد الحياة، وبدأ يضرب من سلاح محمد، ثم يزحف ليضرب من سلاح سعيد، ثم يزحف ليضرب من سلاح عبد القادر، رأي العدو الضرب بالتواتر، وغبارا كثيفا نتيجة زحفه، فظنوا أن هناك دعما جاء إليهم، تقهقر العدو في خوف وبدأ ينادي عبر (الميكروفون):
“أنتم أبناء عمومتنا .. لا فائدة من المقاومة … أنتم آخر من تبقى”
وأبو المجد لا يأبه بما يقولون، ظل على ذلك يومان كاملان، الآن يحارب العدو والعطش ونفذت منه الذخيرة، بالكاد يستطيع التحرك، أحد جنود العدو يقبل عليه ببطء زاحفا بعدما هدأ ضرب النار ليجد الكل ميتا إلا أبو المجد؛ يتنفس بصعوبة ووجهه مغبرا برمال سيناء، وشفتاه ولسانه وحلقه كالخشب الجاف، يقف جندي العدو وينادي على من معه، يأتى إليه كبيرهم وهو يتكلم العربية بصعوبة، ينظر إلى أبو المجد بإحترام شديد … ويقول معجبا:
“عسكري ب 3 شريطة أخضر بس، امباشى … جننا في 2 يوم …عرفتوف سنيور”
ثم يأمر من معه بأن يعطوه الماء ليشرب إحتراما وتكريما له، ويقول لهم وهو يشير إلىه:
“عاتسووف أوهيف اِت هأدماه شليي”…”جندي تعيس يعشق أرض وطنه”

السابق
غريب الأطوار
التالي
صراع

اترك تعليقاً