القصة السلسة

أحاديث سامي وسمير (3)

خصومتنا مع الشمس

أزف وقت الظهيرة. ودارت الشمس، لتلفح سمير بحرارتها. الفت إلى سامي. وقد كانت أشعة الشمس لا تدنو منه.
” إنّها شمس حارقة. سأُنزلُ الستائر”.
“افعل ما يُريحك”. وقد كان الذي قبالته قد نزل في محطة سابقة، وجلست مكانه عجوز، واستسلمت للنوم. يبدو أنّ ذلك المكان يُهدهدُ جالسَه حتى ينام. أو لعلّه تأثير الجلوس عكس اتجاه القطار…
أنزل سمير الستائر.
“حرمَتنا الشَّمسُ من جَمال الجِبال!”. قال سمير.
“وهل هذا شيء جديد؟ الشمس معنا كلّ يوم، وقد تعلّمنا تقبُّلها بكلّ ما تمنحنا إياه أشعّتها، حياة وحرارة.” قال سامي.
“سمعتُ في التلفاز بأن درجات الحرارة تزداد كلّ عام.” قال سمير فيما يُشبه التساؤل.
أومأ سامي إلى سمير بالاقتراب، وهمسَ له: “لدينا خصومة مع الشمس!”
“من نحن؟” سأل سمير.
“الجزائر”. أجاب سامي.
“أُكلّمُك بجِدّية فتجيبني باستهزاء”. استنكر سمير.
ابتسم سامي، وترك جليسه يُفرغُ شحنة الاستياء، ثمّ قال له: ” سأطرح عليك إشكالية وأعطني تفسيرك لها. وقد تهتدي إلى نفس التفسير، الذي اهتديتُ أنا إليه”.
“حسنا سأجاريك. رغم أنّي أرى في ابتسامتك سخرية بادية.” قال سمير.
” خُذ المعلومة الأولى في الإشكالية: نحن من البلدان الساخنة في العالم. وبإيجابية أكثر، سأقول بأنّ بلادنا تحوز على كنز مجاني، رغم أنّها لفحت ذراعك منذ قليل. صحيح؟”
“صحيح لفحت ذراعي.”
“أقصد هل تُوافقني على المعلومة الأولى؟”
“كيف تكون كنزاً وقد كَوَتني بنارها منذ قليل؟”. يتساءل سمير.
“الشمس كنز لأنّها مصدر طاقة مجاني. هل توافقني في ذلك؟”
أومأ سمير برأسه مُرغما على مجاراة سامي. وقال: “أكمِل يا أبو العريف!”.
“أطرح عليك سؤالا وأنت من سيُعطي المعلومة الثانية: هل رأيت في حياتك منزلا يشتغل بالطاقة الشمسية؟” سأل سامي.
“هل تقصد تلك الألواح السوداء التي يضعونها في السطح؟” يردّ سمير بسؤال آخر.
“نعم وهي كذلك”.
“لا لم أر منزلا يستعملها”. أجاب سمير.
“وتلك هي المعلومة الثانية”. قال سامي.
“والمعلومة الثالثة: قدّمتَها بنفسك في بداية الحديث، وقد قُلتَ بلسانك، بأنّ الشمس قد لَفَحَت ذراعك.”
“نعم صحيح، وما هذه الحرارة بالنسبة لقيظ الصحراء إلا بردا وسلاما”. يُقرُّ سمير.
” فبِمَا أنَّها كنزٌ ومصدرُ طاقة مجاني، وبما أنّنا لا نستعملها فقد وجد عقلي ذلك أمرا غير منطقيّ. ولم يجد غير المعلومة الثالثة ليُبرّر ذلك. فكان الاستنتاج: لدينا خصومة مع الشمس، لا نستعمل طاقتها لأنّها تُذيقُنا الأمرَّين طوال صيف حارّ وطويــــــــــــــل.”
أتمَّ سامي استنتاجه وتهالك على كُرسيّه مُبتسِما. أما سمير فقال بصوتٍ رزين، يَظهرُ بين الحين والآخر، يُبدي جانبه المتمرّس في الحياة:
“ربّما تظنّني أحمقاً يا أبا العريف. وسأضيفُ إليك معلومتين:
1ـ إنّها خصومة من جهة واحدة، فالشمس لا تحقد.
2ـ ليس للشمس ما تخسِرُه، على عكسِنا…وما دُمنا كذلك فنحنُ نُخاصِم أنفسنا”
ثمّ فتح سمير الستائر، واخترقت الأشعة الزجاج من جديد، حاملة الحياة والنور.

السابق
أحاديث سامي وسمير (2)
التالي
الصداقة الحقة

اترك تعليقاً