القصة السلسة

أحب الحياة – حكايات من الغربة (1)

مرزوق عايش سليم
حينما نتجمع كغرباء .. نرتشف مشروباتنا المعتادين عليها .. ونتحدث كيفما عن لنا .. نتحدث عن أوطاننا.. وعن ذكرياتنا .. وعن احلامنا .. وعن حكاياتنا التي عشناها وأوصلتنا إلى هذا المكان الذي نجلس فيه .. تجد دائما أن لكل مسافرمنا حكاية تختلف عن أخيه . وكل من له حكاية يحفظها عن ظهر قلب .. كأنما يرددها بينه وبين نفسه كي لاينساها ..
أوأنها غائرة في نفسه .. بل وحفرت لها جب واختبأت به .. خوفا من غول النسيان .
أحيان كثيرة تتشابه الحكايات حتى مع اختلاف الأشخاص .. والأماكن وأحيانا اللغات والجغرافيا معظمها متشابه في النهايات .. حيث امتداد السفر لما لانهاية .. وعدم القدرة على اتخاذ القرار والعودة مرة أخرى. نظل نحكي حتى نمل من الحكي .. ولايعد بعضنا قادر على الكلام .. والبعض الآخر غير قادر على الإستماع .. ثم ينفض السامر .. وننام ونصحو .. نذهب إلى أعمالنا وننصرف إلى شؤون حياتنا .. وتتشابه الأيام ونعتاد عليها وعلى الغربة. في الغربة رأيت العجوز والشاب .. الكبير والصغير.. المتعلم والجاهل .. الطبيب والمهندس وصاحب الحرفة والمدرسين .. الغريب أننا نتفق في شئ مهم .. سن بداية الغربة كان بعد الخامسة والعشرين لمعظم الجالسين.. الا عم مرزوق بدأها مبكرا جدا ولم يكمل العشرين من عمره .
عم مرزوق عايش سليم العايش .. وهذا إسمه الرباعي الذي لاأنساه إطلاقا .. أردني فارق الخمسين ببضع شهور أو يزيد .. قضى معظم عمره في السفر بعيدا عن بلده أكثر من عشرين عاما في ليبيا وعشر سنوات في السعودية .. يعمل فني الومونيوم ..
وحينما أغلق قسم الالومنيوم في الشركة تحول إلي أعمال تركيب المصاعد الكهربائية .
بداية معرفتي به كان من خلال الورق .. فلم أره إلابعد اسبوع من وصولي إلى السعودية ..
وصلت يوم الجمعة بعد المغرب .. وكما علمت بعد أن طقوسه في الحياة لاتتغير .. طوال أيام عمله يصحو في الفجر .. يصلي ويفطر ويشرب قهوته وسيجارته التي لاتفارق بين إصبعيه حتى ينتهي منها.. ثم الخروج للعمل بالموقع والعودة للسكن .. تسخين الغداء وطبخ أرز لعدد شخص واحد يوميا .. ثم صلاة المغرب والعشاء بالمنزل .. ثم النوم حتى الفجر .. وهكذا دواليك ..
حتى يكون يوم الخميس فترة عمل حتى الثانية ظهرا .. يعود للسكن منتعشا .. يخرج بعد العصر لتقضية بعض طلباته .. ويسهر في المساء معنا حتى الحادية عشرا مساء .. ثم يطبخ مايكفي أسبوع كامل وينام بعدها مباشرة .
يفعل كل ذلك بطريقة منتظمة .. ولايسمح لأي شئ بإختراق نظامه .. ونحن نعرف كل ذلك .. ونتماشى معه ولانزعجه البتة ..
ثم يعود متقوقعا على حالة حتى عصر الخميس القادم .. ممارسا كل طقوسه بلا ملل .
تعجبي كان من إسمه مرزوق وعايش وسليم وفي الغربة .. هذا الاسم ليس له مدلول بكامله ..
ممكن مرزوق أما عايش و سليم فهذا ما أعجب منه .. لأننا نعتبر أننا لم نعش بالغربة .. وكذلك ركبت أجسادنا كل الأمراض .. سواء كان ذلك حقيقيا أو وهما .. من كثرة ما نعاني من ضغوط .. تجعلنا نحس بالإعتلال دوما .. وكفاية علينا مرضنا ببلادنا ..
ثلاث نعم كبرى عندك ياعمنا ؟ .. أخذت أكررها عليه وأنا أمزح معه .. مرزوق وكمان عايش وكمان سليم .. بعد كل هذا العمر وهذه الغربة كأني كنت أحسده عليها ..
لم يتقبل مني المزحة .. بالرغم من أنه مهزار .. مع جدية الملامح وصرامة النظرات .
حاولت كثيرا حتى نجحت في إكتساب صداقته .. وأصبحنا صديقين نتجاذب أطراف الحديث كلما سنحت لنا الفرصة .. وكنت دائما معجب بهدوءه وطيبته وحكمته ..
سألته مرة عن الغربة وكيف يراها بعد كل هذه السنين ؟
قال لي وهو متقمص دور الفيلسوف :
– شوف أنا من كثرة من قابلت في السفر تعرضت لناس مختلفة جدا ومسافرة ومتغربة عن بلادها .. وكل واحد منا له أسبابه .. وهى تختلف من شخص للتاني .. بس يا صاحبي كلنا نتفق في شئ واحد .. وهو أننا بعد قرار السفر بنبقى زي زرع خرج من بيئته الاصلية .. ونفضل نحاول ان نزرعه في بيئة أخرى .. وتستمر المحاولات حتى نقرر العودة .. والغريب أننا مهما نحاول زراعته في بيئته الأصلية من تاني .. نكتشف الحقيقة المحزنة ..
أن حتى بيئته الأصلية لم تعد كما كانت .. بل ويصعب عليها تقبل زراعته فيها مرة أخرى .. ويضطر أحيانا إلى الذبول .. أو العودة مرة أخرى إلى بيئة جديدة وهكذا .
– أقولك الحق أنا خايف من المصير ده علينا كلنا ….
– سيبها على الله وإللي مكتوب لازم يحصل .. المهم إنك ترضي ضميرك ..
واستطعت اكتساب ثقته في .. بالرغم من فارق السن .. والتجربة .. والطباع الشخصية …
لما سألته عن جديته وصرامته .. وكذلك اختلافها عن داخله وحبه للمزاح .. ضحك ضحكة عالية وسرح بخياله إلى بعيد جدا وأخذ يقص علي حكايته .
قصته عجيبة جدا .. طوال مدة سفره لم يعرف له حساب في البنك .. بالرغم من أنه مدبر جدا .. وحريص على القروش التي يكسبها .. الا إنها ضاعت منه بطريقة صعب إسترجاعها مرة ثانية .
لما رآني متعجبا مما اسمع .. قال لي أنه وطوال عمره كله لاحساب له في البنك .. وليس لديه بلاطة يخفي تحتها تحويشات عمره ..
الأمر كان بسيطا كما قال .. يرسل لأبيه كل ما كان يكسبه من مال والأب عليه التدبير كله .
في البداية كانت الأمور جيدة الأب يرعى مصالح ولده .. ويربي باقي أبناءه من ناتج عمله ونتاج تجارته في أموال إبنه .. ولما توفر لديه بعض المال بدأ الأب يفكر في بناء بيت لأسرته.
لم يستغرق الأمر كثير فكر .. ما رأيك يا مرزوق ؟ فكرة ممتازة يا أبي .. إتفقنا..
– أمامنا في البيت القديم قطعة أرض حوالي الف متر.. فلنشتريها ونبنيها منزل كبير يسعنا جميعا .
– تحت أمرك يا أبي .
– ارسل لى مبلغ …… وسوف أشتري الأرض وأبدأ في البناء .. وإنشاء الله نكمل البناء في غضون عامين .
– حاضر .. وبدون الدخول مع ابيه في أي تفاصيل بدأ يرسل المال .
كان يعمل فني ألومينيوم في ليبيا .. في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي .. كانت الامور منتعشة .. والدنيا دائما ضاحكة في وجهه ..
شاب يافع .. لم يكمل الخامسة والعشرون من عمره .. ويعمل بأجر ممتاز .. ولم يتزوج بعد ولم يفكر بالزواج الا بعد أن يكتمل بناء المنزل كما قال له ابوه .
يصدق أبيه ويطيعه جدا .. كان يعرف قدره ويقدر معاناته في تربيته هو واخوته .. ومع ضيق ذات اليد و فقره .. لم يكمل تعليمه وتوقف عند المرحلة الإبتدائية ..
وبدأ في العمل بورش النجارة المجاورة لمنزلهم والتي يعمل بها والده .. ومنها تطور إلى العمل بورش الألومنيوم .. ومنها إلى ليبيا في مرحلة ممتازة من نهاية خمسينيات القرن الماضي ..
شعر بالرضا من الدنيا الجديدة .. أقبلت إليه ببعض الإنتعاش .. قليل من المال يشعره بالرضا.. بل ويكافح بشرف ليحقق طموحه وطموح أبيه .
وأخيرا إنتهت السنتين وعاد في إجازة لموطنه الأصلي .. وحمل كل ما يسعد أهله وإخوته وإستقبلوه بالترحاب .. ورأى البناء إرتفع دورين كاملين .. وأمامه حديقة جميلة تغطي ثلثي المساحة .. البيت شكله جميل ويبعث على التفاؤل ..
اخذ يتجول في المنزل غرفة غرفة .. يقف ويتخيل أن حجرة نومه ستكون هنا .. وسيضع هنا بعض الأثاث .. وتكون حجرة أبناءه هنا ……. وحلق بخيالة بعيدا .
فجأة .. أخذه أبيه من خياله .. وأفاقه على طلب لبعض الأموال التي إستدانها لإكمال البناء . ودارت به الأرض تماما .. يريد الزواج وإكمال دينه .. سكت ولم يرد ..
ألجمته صورة أبيه وهو يطلب المال لسداد الديون .. ويلح في الطلب حتى لايتعرض للحرج أو للحبس .. وصمت برهة طويلة قبل أن يعطي أباه النقود ..
غادر المكان وهو يحادث نفسه .. عن حتمية السفر عامان لكي يستطيع الزواج .
إنتهت الإجازة وعاد كما سافر .. ولكن فاقدا لكثير من حماسته للدنيا .. وظل هدفه الإساسي هو وضع القرش فوق القرش لكي يدبر تكاليف الزواج .. الزواج في بلده مكلف جدا .. وأيضا العرف والتقاليد تحتم علية كثير من الذهب والشوار والهدايا وخلافه .
كل همومه ألقاها على صديقه الحاج حسين .. مصري يعمل في ليبيا .. هو معلمه في العمل ..
رجل كبير تخطى الخمسين .. معجب بعمله وأخلاقه . دائم الحديث معه .. ويرتاح إليه مرزوق وحكى له ماحدث معه بالاجازة .
يوم من الإيام قال له :
– تاهت ولقيناها يا مرزوق .. العروس موجودة .. وبدون أي تكاليف .
– كيف ذلك ؟ أرجوك لاتمزح في الأمور دي ..
– إنت عارفني كويس أنا راجل دوغري جدا .. هي إبنة أختى .. وأنا جاد جدا في هذا ..
أجابه الرجل الخمسيني وهو يشعر بالفخر أنه يخطب لإبنته .. كيف ومتى ومئات الأسئلة من مرزوق .. وكانت الإجابة الوحيدة للرجل المصري هو .. إجازة عيد الفطر القادم وهي بعد شهر ونصف نقضيها في مصر معا .. وتراها وتراك وتتم الخطوبة إذا أعجبتك وكان لكما نصيب .
تهلل وجه مرزوق .. قلبها في رأسه .. وجدها فكرة معقولة .. القسمة والنصيب ليس لهم ديار حينما يأتي نصيبك لاتسأل عن أمور بسيطة .. أقنع نفسه بها .. حتى الإنتظار فكرة جيدة أيضا ..
مرت الشهر ونصف كأنها دهر .. استحسن السفر برا لأن تكاليفه كانت بسيطة .. وتم السفرولم يعلم به أحد سواهما ولاحتى أهله .
وكان له ما تمنى .. أن تكون العروس جميلة وبنت ناس ومؤدبة وتراعي الله فيه ..
وحاز القبول هو الآخر .. وتمت الخطبة على خير .. والحمد لله أخذ يرددها بينه وبين نفسه .. وتحس أن الفرحة جعلته يطير بلا جناحين .. لقد تمت بلا أي مشاكل ..
وكانت المشكلة في مخيلته هو فقط .. سؤال لالزوم له يؤرقه ..
كيف توافق أسرة مصرية علي تزويج إبنتها لغريب ليس من مصر ويعمل في بلد ثالث ؟.
وكم كانت دهشته حينما أخبره الحاج حسين : سألتني أختي .. أم العروس .. كصاحب الفكرة نفس السؤال الذي حيرك ..
والرد كان بسيطاقلت لها : نحن كلنا أبناء آدم وحواء .. وهو إنسان طيب محترم .. وجاد في عمله وحياته .. يراعي الله في عمله .. وهو يحبني وأنا أحبه كولدي وأرتاح له .. وأشعر أنه سيراعي الله في إبنتنا .
وقد إرتاحت الأم قليلا لحديث أخيها .. ودار نقاش بينها وبين زوجها أبو العروس .. وإمتد النقاش ليشمل كل التفاصيل .. ودافع أخيها عن مرزوق بل وضمنه بنفسه ..
فهو المعلم عليه هناك ولا يستطيع مرزوق أن يغضب البنت .
سمع مرزوق كل الحوار ..الذي نقله له خال العروس .. ووافق عليه جميعا وإن لم تعجبه أنه لن يستطيع عمل شئ سئ لها بسبب وجود خالها معه .
أتعبته هذه الجمله وإعترض عليها .. ولما كرر عليه هذا الإعتراض بأدب.. قال له إنه إضطر لقول ذلك ضمانا لإبنتهم معه.. وهذا حقهم لأنهم لايعرفونه .. وإستطرد الخال ..
أنا اعلم إنك إنسان جيد .. وأثق فيك وإنك دائما تتقي الله في كل شئ .
أراحته هذه العبارات وتعهد له أمام الله أن يراعيها أكثر مما لوكانت قريبته ومن بني جلدته .
تواعدواجميعا بعد قراءة الفاتحة .. وبدون أي مراسم أخرى أن تكون فترة الخطوبة قصيرة .. على أن يعود ومعه أهله في أسرع وقت لإتمام الزواج .. وليكن في إجازتة السنوية التي بقي على ميعادها حوالي الثلاثة أشهر من الآن ..
وجاء موعد السفر .. إستراح قليلا ثم ألقى لأهله خبر خطبته .. وكانت الطامة الكبرى .. كأنما صاعقة أصابتهم ..أرغووأزبدوا وزمجروا وصاحوا ..
وفي النهاية .. رفض مطلق من كل أهله للزواج خارج القبيلة التي ينتمي لها .. ناهيك عن الزواج من بلد آخر .. ومن أين ؟ .. من مصر ومن الإسكندرية .. هذا لن يكون ..
صمم مرزوق على رأيه وعلى مضض وافقه أبوه وأمه .. أما باقي الإخوة فلكل واحد منهم رأيه المنطلق من قناعاته .. وفي النهاية فعل ما يريد وتزوج من أم اولاده .. مصرية بنت بلد ربت أبناءه على الصدق والإخلاص والفضيلة والأمانة .
ومن مصر حيث تم الزواج إلى ليبيا .. وعاشت معه على الحلوة والمرة كما يقول .. وأنجبا أكبر أبناءهم .. وحملوه ومعهم ما لذ وطاب من الهدايا .. وحملوا أيضا أحلامهما في تأثيث المنزل
المنتظر .. في البيت الكبير..
وكانت المفاجأة في إستقبالهم .. وجوه عابسة ومكفهرة .. وسحن مقلوبة .. وحديث من تحت الضرس.. ولامرحبا ولاسلاما .
وتحمل مرزوق هوو زوجته وإبنه هذا الموقف .. وباتوا ليلتهم في نكد رهيب .. على أمل فرش شقتهم في قادم أيام الإجازة .
في الصباح كانت المفاجأة التي ألجمتهم تماما.. تم تخصيص الشقة الأصغر لهم .. والكبيرة للأسرة في الطابق الثاني والطابق الاول أخذه إخوانه الأصغر منه .
تحمل الموقف بإستياء شديد .. وكانت له وقفة مع أبيه ونقاش إنتهى إلى لاشئ ..
وكانت الحقيقة المرة .. والده إشترى الارض بإسمه هو واستخرج كل تصاريح البناء بإسمه وليس هناك ما يثبت به ملكيته لأي شيء ..
وأسقط في يده وطال النقاش .. وإستمر أياما من المرار والأخذ والرد .. بل ودخل كل أهله في المفاوضات بينهما .. والتي إنتهت إلى إقرارملكيته للشقة الصغرى وجزأ لابأس به من الحديقة الأمامية .. وإمكانية البناء في الطابق الثالث .
كانت حجتهم دائمامؤلمة .. ميسور الحال وتكسب الكثير من السفر .. وإخواتك صغار ومازالوا في مراحل التعليم المختلفة .. وأبيه لم يعد قادرا على كل هذا الهم لوحده .
بلع كل شئ وزوجته أيضا بلعت كل شئ .. ولم تنبس ببنت شفة .. وصبرته وأعانته على تخطي الموقف .. وبدأوا بفرش شقتهم ومحاولة قضاء الإجازة بأي وسيلة ..
آملين العودة إلى ليبيا والعيش هناك.. بعيدا عن الإحتكاكات مع أسرته .. وكان لهما ماأرادا وعادا إلى ليبيا.. وعاشا هناك عشر سنوات أو أكثر بعد ذلك وأنجبا باقي أبناءهما .
ولان لكل شئ نهاية .. فقد حان وقت العودة من ليبيا بعد تعقد الأحوال هناك .. وتم ذلك بأسرع مما خططا له .
وكانت العودة إلى الأردن .. وبداية معاناة بسبب ضيق المكان .. وكثرة العيال ومشاعر الشحناء المتبادلة بينه هو وزوجته وابنائه وبين اهله .
درس كل الحلول الممكنة للتعايش .. ولم يكن هناك بد من بناء الطابق الثالث لينفرد به وحده .. وعكس كل ما توقع .. كانت المشاحنة والمفاصلة هي أساس التعاملات بينه وبين عائلته ..
وبدأت المساومات التي عصرت قلبه وذهنه كي يتفاعل معها ..
تترك شقتك بالطابق الثانى لأخيك وتبني الطابق الثالث .. وتكرر نفس المشهد مرة أخرى
ولم يقبل في البداية .. وظل على موقفه فترة ليست قصيرة ..أخيرا أقنعته زوجته بالقبول ..
– هذا أفضل لنا .. اذا إستمرينا على كده إحنا هنموت من الغيظ .. وعيالنا هتتعب .. وبعدين أنتم أهل وميصحش إنك تبقى الكبير وتخرج عن طوع أبوك ..
– الكلام ده هوه اللي تاعبني .. بعد كل ده أبقى أنا اللي غلطان .. وعاق لأبويا كمان ده ظلم .
أخيرا وبعد أخد ورد مع نفسه ومع زوجته .. كانت الموافقة على مضض .. وبمهلة ستة أشهر للبناء قضاها في شقاء وتعب وكلل .
وتم البناء وإنتهى وإنتهت معه مدخراته .. وهنا بدأت المشكلة الحقيقية .. وأصبح لزاما عليه أن يعمل ليعيل أسرته وكانت المشكلة الثالثة .
أريد جزأ من الدور الارضي لإنشاء ورشة أعمال نجارة وألومنيوم ..عايز أشتغل وأربي عيإلي وأنا وسطهم هنا .. تعبت من السفر وعايز أعيش في بلدي ..
ولكن…… وتكرارا لما حدث من مشاحنات ومفاوضات .. صرف نظر عنها وفكر في السفر .
وكان السفر هذه المرة للسعودية .. وترك أسرته بالأردن وحدها.. وعانت زوجته الأمرين ..
وأن كانت بحكمة شديدة كما يشهد هو بذلك .. إستطاعت كسب أبيه وأمه إلى صفهما .
جاء للسعودية للعمل في تركيبات الألومنيوم .. إستقر به الحال فترة .. ولكن لبعض المشاكل في قطاع المقاولات بالمؤسسة .. تقررإغلاق هذا القسم .
وتم تحويل مرزوق للعمل بقسم تركيبات المصاعد .. وكانت نقلة ثقيلة عليه .. إلا إن حاجته للعمل إضطرته للبقاء .. وبدأ من جديد في تعلم مهنة أخرى غير التي أتقنها لدرجة العشق .
كان العمل يتطلب جهدا بدنيا وذهنيا كبيرا.. ومن المذهل أنه تعلم مهنته الجديدة بسرعة كبيرة بالرغم من بدايات تقدم بالسن .. حيث فارق الخامسة والأربعين من عمره .. وأبدى تقدما كبيرا في التعلم والإتقان .. إلى أن صار ممن يعتمد عليهم في هذا المجال .
ولم تتغير عاداته من أول يوم جاء للسعودية .. عمل وأكل وشرب وصلاتي المغرب والعشاء بعد الغداء .. ثم النوم للفجر ويبدأ يومه من جديد ويعيش فقط يوم الخميس .. وله طقس لايتغير وهو موعد حديثه الهاتفي مع أسرته بعد صلاة العشاء كل يوم خميس .
وفي الغربة نهوى جميعا أن نفعل نفس الأشياء كل يوم .. كأنها تأكل الوقت وتقربنا لموعد العودة ونبقى في لهفة على الرجوع .. وتأخذنا الذكريات حتى وصولنا للوطن .. وينتهي كل هذا الحنين في الأسبوع الأول من الوصول .. ويلتهي كل من تجمعوا حولنا عند الوصول .. ليعيش كل منهم حياته والتي نحن لسنا جزأ منها بأي حال .. ونظل نتوهم أهميتنا لديهم ولكننا نفيق على وجودنا الخاطئ بينهم .. لنكتشف تعجلنا للعودة إلى منفانا الاختياري في الغربة .. ونحاول بدأب من جديد زراعة جذورنا في المكان الخاطئ دائما.
وإستمر به الحال مدة سنه لم تزد عن ذلك .. حيث يأكله الشوق الدائم لزوجته وابناءه.
وعاد مرزوق في إجازته الأولى .. ليفاجأ بمرض أبيه الذي طال وإستفحل وصولا إلى وفاته في هذه الإجازة .. التي كانت اسوأ مما يظن .
وتجمعت خيوط مفاجأة جديدة في إنتظاره .. وكأن أبيه يهوى المفاجأت .. أو كأنه حاوي يخبئ في جرابه مفاجات عديدة .. ودائما ما تكون مفاجأت غير سارة فقط لمرزوق .. إبنه الأكبر .
وكانت المفاجأة المفجعة .. كل المنزل مازال بإسم أبيه .. وكل إخوته يرثون فيه ..
المحزن له إن هذا كان نتاج تعب أكثر من خمسة وعشرون عاما .. والجميع يعلم إنه بنى الطابق الثالث على حسابه .. وساهم بنصيب الأسد في شراء الارض وبناء الطابقين الأول والثاني .
ماذا يفعل ؟ لايدري .. إخوته تمسكوا بالأوراق الرسمية .. تجاهلوا كل ما يعلمونه تمام العلم .. تحدث معهم بكل لغة ممكن أن يفهموها .. توسل إليهم .. المحزن حقا أن يتوسل لأخذ حقه .. ولم تعد هناك طريقة للحديث بينهما ..
ولذا تكرر مشهد الجلسات العرفية .. وإنتهت هذه الجلسات للإعتراف بملكيته للدور الثالث فقط .. والباقي يوزع بنسب التوريث الشرعية بينه وبين باقي إخوته .
ماذا يفعل الان وقد كبر أبناءه وإحتاج إلى شقة أكبر .. وإرتفعت أسعار الشقق في بلده أيضا .
ولم يقتنع بأن يترك منزله الذي أنفق عمره كله في الغربة ليبنيه ..
هل يتركه هكذا ويرحل ؟. إنها أشبه بالهزيمة المنكرة في مباراة الحياة التي عاشها في غربة ومعاناة شديدة .. زهرة العمر راحت .. والآن في خريف العمر يخسر كل شئ ..
يحب هذا البيت ربما للألم الذي تحمله في بناءه .. وفي معاملة إخوته وأبيه له بسبب هذا البيت .
كانت كل مبرراتهم السابقة تتساقط أمام ضغط الايام والسنين والمسئوليات عليه .. وقد كبر إخوته وهاهم الآن يبدأون حياتهم العملية .. بتعليم جيد ووظائف محترمة .. والأكثر من ذلك بيوت وشقق مبنية جاهزة من عرقه ومن دمه ومن غربته .
أحس مرزوق أن غربته هذه كانت فخا كبيرا له .. ولم يتوافق مع نفسه ومع التفسيرات التي يسوقها .. ومعه مغتربين كثر أن الغربة كانت حتما علينا .
ولماذا كانت حتما ؟ حتى يعيش الباقين على عرقه وعلى تعبه وكده؟.. وفي الأخير يضطر هو للإغتراب مرة أخرى .. بعدما ضاعت زهرة العمر .
وكانت له أحلام في البناء في الارض الفضاء أمام المنزل.. ولهذا كانت هي المعركة الحقيقية بينه وبين إخوته .. وإنتهت إلى الإلتجاء للقضاء .. وإستدعى معها كل أوراقه القديمة لإثبات تحويلاته لأ بيه لبدأ وإكمال البناء.
ولما عاد إلى غربته مرة أخرى .. لم يعد أي شئ يشغله سوى أسرته الصغيرة الزوجة والأبناء الذين كبروا أمامه فجأة .. وبدأت هموم المستقبل تتبدى أمامه مما زاده تقوقعا على حاله .
وطالت القضية وإستمرت لسنوات وطالت معها مدة سفره

السابق
سياج المدينة
التالي
المكان الخطأ

اترك تعليقاً