القصة القصيرة جدا

أحلام مسافرة

كان يمر كل يوم ويلقي تحية الصباح
وجهه بشوش
تعلو محياه إبتسامه جميله
لم اعتقد يوماً ان هناك من الأبتسامات ما تخفي ألما أو شيئا من عوز
صديقي الصغير الذي لم يتجاوز الحادية عشرة ربيعا
والذي إعتاد ان يحمل شيئاً من خبز ساخن يحتضنه بقوة وهو عائد إلى حيث يسكن
وعفواً فكلمة مسكن هي الكلمه الخاطئه لوصف ما إعتاد أن يقضي صديقنا شتاءاته الموجعه
اعود لقصة إحتضان ذاك الطفل لخبيزاته الدافئه
عله يجد فيها شيئاً من دفء لياليه البارده فلعله يستذكر حرارة تلك الارغفة عندما تحتضنه جدرانه الأربعه البائسه والمعتمه وخلف بقايا نافذته الوحيده يغني له
كانون ترانيم الألم.
استوقفته يوماً
ومن باب الفضول سألته عن حاله
قال لي والرضا يملأ نفسه
أسكن هناك يا سيدي
في غرفه صغيرة مع أشقائي الخمسه ووالديُ الكبيرين في السن
غرفة يتحدث سقفها المصنوع من بقايا حديد متهالك عن قصص المطر وأصوات رياح مزمجره موجعه لا تستجيب لصراخ طفل او شيء من نحيب.
على الرغم من ضيق مساحتها إلا أن الناظر يخيل إليه أنها فسيحة جداً
فراش واحد ليس بوثير غطاءان ,وبقايا أواني قديمه.
تبدو البسيطة خارج بابها تفتح ذراعيها لفصول الحب السهول فسيحه الأشجار مورقه والعنادل تغني للربيع بفرح وفي محيطها لا ترى سوى مزيداً من حكايا البؤس والحرمان وشيئاً من دخان عقيم متصاعد يختفي بين السحاب بإستحياء.
كان يروي كل التفاصيل وهو رابط الجأش قوي بما يكفي ليقول حتى أدق فصول حكايته.
كانت ملابسه بسيطة جداً بنطال أزرق يبدو أنه أرتداه لمدة طويلة جداً
و {بلوزه} صوفية أظنها بيضاء اللون او ربما كانت كذلك لم تغنه عن برد لياليه القارسه وحذاء بدا أنه في أخر أيامه.
كانت ملامحه توحي بشيء من قوة غامضة عيناه زرقاوان قويتان يشعر من يقف أمامه إنما يجاري قمما شاهقة شماء صفاءً وعذوبه تمتزج مع إقدام وخشونة وصلابه ملفته
كنهر عذب ماؤه ينتهي به المسير في لجة بحر مالح ولد شعوراً غريباً
كيف يختلط الوجع والأمل النقاء والشعور بالخيبة والحرمان
حدقت طويلاً في كل هذه التفاصيل مشدوهاً حائراً
عادت إبتسامته تملاء عينيه بالحياه وقال:
لم تكن هذه حالنا قبيل إشتعال القتال في بلادي وأشار بسبابته نحو جهة الشمال حيث يمكن رؤية الجبال كسراب في يوم صاف
كان لنا منزل جميل وأشجار مثمره وارفة الظلال وحقول وحدائق غنٌاء
تركنا كل شيء وراءنا البيوت والعصافير والحلم والأمنيات
تصور ياسيدي لم أحضر حتى علبة الواني ولا دفتر رسمي ولا حتى العابي التي ما زالت تنتظر تحت الركام حيث أزيز الرصاص ورائحة الخوف في كل الأرجاء.
ثم استطرد قائلاً:
أنتم الكبار تقحموننا في كل شيء…ونحن من يدفع ثمن حماقاتكم ومغامراتكم المؤلمه
تسمرت في مكاني ولم اعد قادراً على الكلام
حمل خبيزاته التي ما زالت دافئه ودعني ثم قال علي الذهاب
نيست أن أخبرك أني قد زرعت ياسمينة بقرب باب غرفتنا الصغيره.. أتعهدها كل يوم…فأنا عازم على أصطحابها عندما اعود في يوم ما.

السابق
تَنَصُّلٌ
التالي
حدود سيمية في نص “يشمّ الوردات”

اترك تعليقاً