القصة القصيرة

أحلام مناورة

صيف المدينة قاسٍ كملامح وجهه, متعَب هو إذ يرى حلمه أمامه لكنه أكسل من أن يطارده, يصحو ظهراً يجلس على عتبة الدار يطالع المارة ويشرب فنجان القهوة, وبضجر رجل أربعيني يدوّر المفتاح ليبدأ مشوار التجوال في سيارة الأجرة خاصته.
شوارع عمان في هذا الحر خلت سوى من شاب وفتاة, أشار الشاب إليه فأوقف السيارة وأنزل زجاج النافذة وسأل : أين العزم ؟ أجاب الشاب : حديقة اللويبدة . فأشار برأسه أن يستقلا السيارة.
قبل ساعة من ركوبهما ارتدى الشاب ملابسه وبحث عن هاتفه المحمول, تأكد من شحنه, صاح بأخيه الذي استعار نظارته الشمسية بالأمس وخدشها, رش العطر الذي فاح بخبر خروجه لملاقاتها, عد النقود في محفظته, ربط حذائه, هاتَفَها, تأكد من وصولها, أخبرها بملاقاته بمكانهما المعتاد, وبتآمر رجولي “قرر” أن الحديقة مكان مناسب, إذ أنها ستكون خالية سوى من بعض الأطفال الذين وحدهم يمتلكون حق اللعب في هذا القيظ.
أما هي فقبل ساعة من الآن استحمت, وسرّحت خصلات الشعر البني, ارتدت الحجاب وحلمت بمشهد لن يصير, كحّلت عينيها, حملت الرواية التي أحبتها ودستها في الحقيبة, رن هاتفها المحمول ليأتي صوته…. كم مقتت صوته حين يهمس لها :حبيبتي! تمنت دوماً جرأة كافية لتخبره : أنا ما أحببتك بقدر ما أحببت فكرتك!
استقلا السيارة , فتح السائق المذياع ليأتي صوت سيد درويش, ابتسمت هي إذ رأت في صوته قلبها الذي يسمعه الآخرون بلا استئذان. أما هو فامتعض ومد يده ليخفض الصوت, اعترض السائق: يا ابني, لم تخفض الصوت ؟ دعه وسادعو لك أن تصبح نائباً.
– نائب ؟؟ لم نائب ؟؟
اجاب السائق : أتدري أن النائب يأخذ راتباً تقاعدياً مدى الحياة ؟ مدى الحياة !
ما رد الشاب فعاد السائق يكلم نفسه كما اعتاد : أترى أرملة النائب تستلم راتبه التقاعدي ؟
امتعض الشاب : مالَنَا والنواب ومد يده رافعاً صوت المذياع.
أما هي أشاحت بنظرها عن البرلمان لانها منذ زمن تركت الهذيان بالسياسة واكتفت كأي أردنية لا تخجل من فلسطينيتها أن تحلم بحصانة النائب في الدنيا وفي الآخرة حصانة الشهيد!
وصلا الحديقة, أوقف السائق السيارة, ترجل الشاب, وتنفس الصعداء , الآن سينفرد بها كذئب. فتح لها الباب هامساً : حبيبتي ! ترجلت وابتسمت لسذاجته إذ ظن أن الحب هو ما حصل بينهما, بل انها علمت يقيناً أنه ما كان أكثر من مادة خصبة للكتابة!
أما السائق أكمل طريقه باتجاه زبون آخر يحدثه عن هذياناته بالراتب التقاعدي للنائب وأرملته.
وحتى تنتهي الشمس من طهو البشر والأحلام يرفع ثلاثتهما الهامات بانتظار الغروب , علّ الليل يأتي بأحلام أقل قسوة , وربما أكثر صدقاً

السابق
نشرة أخبار
التالي
السيدة

اترك تعليقاً