مقالات

أدباء بمراكب مهترئة

أنصحك إن كنت لاتزال تكتب “انتي وعينيكي واليكي ” ٠٠٠ وترفع وتنصب وتجر على هواك٠٠٠ أن لاتكتب أبدا.. فبها تؤذي نفسك والاخرين.
الدكتور أزهر سليمان

قرأت هذا المنشور للدكتور أزهر سليمان، مدير المنار الدولية، فلاحظت قلقه العميق مما آلت إليه أحوال لغتنا العربية في زمن فوضى بحر من الأجناس الأدبية وأدباء بمراكب مهترئة، أحوال لغة حسيرة كسيرة منكوبة في زمن أغبر، لم يعد فيه الكتاب كمصدر من أمهات مصادر العلم والمعرفة، مجرد أداة من أدوات تزيين رفوف المكتبات العامة أوالخاصة، وأصبح باقة ورود في مزهريات تزين مداخل ومخارج البيوت٠
الرجل قلق من غربة لغة عربية غربة العربي في متاهات لغات غربية، لغة غريبة الدارفي عقر الدار، لم يعد أهلها يدرون شعابها، أو يحقون مسالك مغاراتها السحرية، وكتردد الصدى يأتيهم صداها من غير بلادهم٠
نعرف حق المعرفة مدى غيرة هذا الرجل على اللغة العربية التي أصبحت تذبح ذبح النعاج من الوريد إلى الوريد نحوًا وصرفا وتركيبا، كما نعرف أنه يشرف على إدارة منابر أدبية تشرف الأدب والأدباء، وتحتفي باللغة العربية وتحتفل بها، لأن أعمدتها ينشر عليها كتاب يحترمون لغة العرب، لكن عندما تمارس هذه المنابر الأدبية حرية الانضمام كحق مشروع، حتمًا يمتزج الحابل بالنابل وتخلط الأوراق، فيعير الطائي بالبخل مادر٠٠ويعير قسا بالفهاهة باقل ٠٠٠ ويقول السهى للشمس أنت خفية ٠٠٠ويقول الدجى للصبح لونك حائل، خصوصا أننا أصبحنا نعيش انحطاطا أدبيًا في أسوأ تجلياته نتج -في اعتقادي-عن تفشي ظاهرة الكتابات العشوائية في غياب القراءات الجادة، إذ نكتب عشرات النصوص ولا نقرأ نصًا، أقصد تفشي ظاهرة الكتابة على أعمدة العالم الأزرق الذي كان الأجدر حسن استثماره في الارتقاء باللغة وبالمستوى المعرفي والأدبي٠ لا أثني العزائم عن الكتابة ولا أتشاءم أبدًا مادام الخير في أمتنا إلى يوم الدين، لكن للكتابة شروطها وطقوسها الخاصة ولخوض غمار بحارها يجب إعداد العدة وتخزين الزاد والعتاد وخلط الخمائر والتزود بتجارب السابقين والمعاصرين على حد سواء٠
ًوربما يعود سبب تدني مستوى اللغة الذي أشارالدكتور إلى جزء بسيطً منه إلى الاهتمام بكتابة أكبر كم من النصوص في غياب يكاد يكون تامًا للقراءة، وقد تربينا على أن فاقد الشئ لا يعطيه، إذ تجد الكاتب بقدره ومقداره لا يقرأ إلا النزر القليل، لكنه يكتب الكثير وفي زمن قياسي، فتظل رحاه تدور في الفراغ كقط يريد قضم ذيله، ولا تطحن إلا الفراغ، ولا ينتج إلا الفراغ، لأن خميرته لاتذوب في خمائر غيره من هوراس إلى أدونيس، ومن الملاحم والأساطير إلى مكروقصة العصر الحديث، فتكون الذاكرة منعدمة المفعول في مجال الخلق والإبداع الأدبي، فيكتب نصًا ضحلًا فقيرًا خاليًا من أية ترسبات معرفية لمن سبقه٠ نعرف أن النص المميز مزيج من نصوص لا تعد ولا تحصى ولون من عشرات الألوان تفنن في خلطها رسام ماهر٠ فكيف لذاكرة فارغة أن يتداعى مخزونها المعرفي أوقات الكتابة، هذا بغض النظر عن ضرورة احترام مراحل تكون النص الأدبي منذ سقوطه فكرة بسيطة في رحم الذاكرة إلى مرحلة الاختمار والمخاض والنضج والاكتمال، وبالتالي اجتياحه مدى القراء في أبهى صورة ممررا أشرف الرسائل الإنسانية، وبلغة شامخة سامقة قصية عصية منيعة متمنعة عن الابتذال والرداءة، بعيدة عن كل ما يخدش جمالها من أخطاء معرفية ونحوية، قد تكون في أغلب الأحيان مجانية ٠
أقول للكتابة شروط وقواعد وطقوس، فليس كل ما نكتبه يدخل في خانة الإبداع سواء في مجال الشعر أو النثر، لكن – رغم ذلك – نكتب ونكتب ونكتب دون أن نحترم قواعد اللغة صرفا ونحوا وتركيبا، فنجمجم ونقمقم، ونجيز ما لا يجوز، فنرفع وننصب ونجر دون اعتبار لمواقع الكلمات من جغرافية الكلام، ودون احترام محلها من الإعراب٠ فإذا كنا نخطئ في قواعد الجملة البدهية مما درسناه في الفصول الأولى من حياتنا التعلمية من فعل وفاعل ومضاف ومضاف إليه، ومصرف وممنوع ومرفوع ومنصوب ومكسسور، فكيف لقارئ يبحث عن المتعة الفنية في مجاز اللغة أو لغة المجاز أن يتوخى منا روعة توظيف تركيب يخرق المألوف ويخلق الصورة الرائعة الموحية؟ كيف يمكنه أن ينتظر منا أن نأخذ بأعناق المختلفات ونجمعها لنجعل منها مؤلفات؟ فقد نلتمس له العذر إذا عزف عن قراءة ما نكتب، إلا أننا لا نجد لأنفسنا عذرًا إذا كانت كتاباتنا حصى صغيرة تسقط في قاع بئر سحيق، ولا نلوم إلا أنفسنا إذا كنا كتابًا بلا قراء ككير مثقوب لا ينفخ شيئا يذكر، لأننا عندما نهمل قواعد اللغة كفضاء فوضوي من كم لا حصر له من مقولات لغوية يعبر تشكيلها في سياقات نصية عن قيمة المتكلم الإبداعية، ويكون عدم الاهتمام بها -جهلًا أو إهمالا- استحمارا للقراء، وضحكا على الذقون٠
ربما يجهل الكثير من هؤلاء الكتاب أن التكافؤ المعرفي بين القارئ والكاتب أمر حاصل لا محالة، وأن القراء هم أجود النقاد الذين لم يتشبعوا بهذا الخليط اللامحدود من المناهج النقدية، لأنهم يملكون ملكاتهم النقدية بالفطرة، كما يملكون أذواقهم الخاصة التي تجعلهم يميزون بين جيد وقبيح الكتابات وبين حسنها ورديئها، وبذلك تكون لهم القدرة على رفعك درجات، أو النزول بك إلى الحضيض٠
عندما ننتج- إذا كنا فعلا ننتج- إبداعا يعتد به في مجال الأدب، فقد يكون لزماننا ومكاننا وقد يكون لغيرهما، لأن الإبداع الحقيقي هو الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويكسر الحدود والسدود الجغرافية، ولم لا يرقى نحو العالمية؟ فالإبداع الأدبي بطبعه إنساني لا مناسباتي، لا مكان ولا زمن له، لا أتكلم هنا عن تلك الشرذمة التي تبحث عن الأضواء، وتجري لاهثة وراء الشهرة من خلال انتحال ألقاب وأسماء وهم أصغر منها، و يجهلون أن اللقب مسؤولية عظمى كفيل بتحملها من يقدرها حق قدرها، وأقول لهؤلاء ابحثوا عن الشهرة في مجال غير مجال الأدب واللغة إذا كنتم لستم أهلا لها٠
الكتابة طريق شاق يستوجب التزود والاغتراف والمتح من مختلف المعارف الإنسانية، إضافة إلى ضرورة توفرالموهبة والمهارة والقدرة على ترويض الحرف العربي: هذا المهر الجامح الجموح باعتباره مطية الكاتب للتحليق في عالم الإبداع، هذا الحصان المجنح الذي لا يحكم شد عنانه إلا فرسان شداد٠ فالتشجيع على الكتابة مسألة عادية، والكتابة حرية شخصية، لكن يجب أن ندرك جيدا أنها مغامرة في بحر بلا قرار ولا شطآن وريع بلا تخوم، يمخر عبابه من صلب عود مجدافه وسلم مركبه من الفهاهة والهشاشة والتفاهة، وهي ليست طقطقة دربكة تهتز لها أرداف الغواني، وعلى إيقاعها تتمايل الرؤوس انتشاء وطربا٠
فرغم تدني هذا المستوى المعرفي واللغوي نجد السباق محمومًا وعلى أشده في حلبة ألقاب وهمية تزكيها مجاملات كاذبة، أوتعاليق تخفي الحقيقة، ولا تبرز مكامن الخلل ومواضع القوة والضعف في المقروء، من قبيل تصحيح لغة النص ومناقشة ما له وما عليه، خصوصا من طرف ذوي الاختصاص الذين لا أظنهم يبخلون -أبدًا- بما يعرفون في هذا المجال٠ فقد تنقصنا الجرأة والصراحة فننفخ في من هم كير مثقوب، وينعكس نفخنا سلبا على الساحة الأدبية٠ وربما نلتمس للمجاملين العذر لأنهم يتقون ردود أفعال هؤلاء المبدعين الوهميين، لكن هذا ليس مبررا كافيا، لأن تغيير المنكر من أوجب الواجبات، ولأن اغتصاب اللغة وصمة عار على جبين الإبداع والمبدع، ومن الهفوات القاتلة٠ فكيف تجامل أحدا وأنت ترى أنه لم يتمكن بعد من قواعد الإضافة، فيأتيك بنحو جديد ما قالت مثله العرب، وهو إضافة الضمير إلى الضمير: إضافة المعرفة إلى المعرفة ( لكي ٠٠٠ عشقتكي٠٠٠ حبكي٠٠٠ وهلم جرا) ، ونحن نعرف أن اللغة أيضا لها قانونها ومنطقها الذي ينبني على التناقض، شأنه في ذلك شأن التيار الكهربائي، فلا توتر بدون سالب أو موجب، والأدهى من ذلك أننا نغلب الخطأ الشائع على الصواب عنوة٠
أحيانا تقرأ بعض المنشورات فتجد أصحابها توزع عليهم عبارات المجاملات والليكات المجانية، وهي -كما قلت – عبارات وألفاظ نفخ في الفراغ من قبيل: رائع٠٠٠رووووووعة ٠٠٠ أحسنت٠٠٠ كما توزع أطباق الحلويات وباقات الورود في الأعياد والمناسبات، ناسين أومتناسين أن ذلك لا يخدم الإبداع الأدبي إطلاقًا٠ وأعتقد أن هذه التزكية مشاركة في الخطأ مادمنا نغض عنه الطرف، لأنها لا تعبر عن المستوى الحقيقي لمن ألصقوا لافتات الألقاب الوهمية بظهورهم٠ متناسين أن الكتابة مسؤولية اتجاه المبدعين والقراء على حد سواء، وكل ما ينشر ورقيا أو إلكترونيا يسجل في مسودات حياتنا الإبداعية٠
لم ينطلق الدكتور أزهر سليمان في منشوره هذا من فراغ، فقد لامس هذه الحقيقة من خلال موقعه كمشرف على منابر أدبية لها سمعتها، معضلة كبرى نبه لها غيورون على لغتنا العربية، لكنها كانت كقذف الحصى في قاع بئر عميق، وكلنا نذكر رائعة حافظ إبراهيم ( العربية تنعى نفسها بين أهلها) وكان ذلك منذ قرن ونيف، فما بالك بلغة مرحلة دخل فيها الكتاب في حالة انكماش أو عطالة أو بطالة قسرية وأصبح مهددًا بالانقراض ومن أشياء الزمن الجميل، لأن أزرار الحواسيب والهواتف الذكية زحزحته من عرشه قهرا٠
القارئ ذكي كفاية، يشارك بشكل أو بآخر في إبداع النص، فكيف يمكن أن يتفاعل مع كتابات تمارس عليها بدهيات اللغة شغبها، وتخرج عن طوعها، فيضطرلأن يخبط العشواء، وكيف يمكن لهذا القارئ أن يطلب متعة فنية في جمال تركيب جملة تنزاح فيها اللغة من أجل روعة الصورة؟ وكيف يمكنه أن يطلب من هذا الكاتب ترميزا أو إحالة أو تكثيفًا من أجل تمرير رسائل معينة، كيف نتوخى منه ذلك وهو المغلوب على أمره أمام سطوة لغة مباشرة لا تقول غير ما تقوله؟ فهذا الذي لا يميز قواعد اللغة، ولايفرق بين مواقع عناصراللغة في جغرافية الكلام، أولى به أن يعتكف طويلًا على القراء، ويبحر في ملكوت هذه اللغة الشامخة والمتمنعة عن أي تشويه يراد لها سواء كان ذلك عن قصد أو غير قصد٠ وأساند الدكتور أزهر سليمان في أن هذا النوع ممن يكتبون يؤذون اللغة ويؤذون القراء، ونحن نبحث عن المتعة لاعن الأذى٠
فالكثير من الأخطاء التي تشوه النصوص مجانية وناتجة – في المرتبة الأولى – عن عدم الاهتمام بتنقيح وتشذيب وتهذيب ما نكتب، فنسابق الزمن لنشر أكبر قدر من التفاهات دون شعور منا أننا نجرح كل قارئ غيور على لغته٠ سبب آخر مرده إلى أن معظم كتابنا لا يقرؤون ولا يتتلمذون على كبار المبدعين في مختلف الأجناس الأدبية ولا يعيرون أدنى اهتمام لعلوم النحو والصرف، وليس العيب أن نقع في الخطأ وإنما المصيبة العظمى هو أن لا نعترف به، إذ تحول الأدباء في زماننا هذا طوائف حزبية شعارها ( انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا )٠
وما دامت هذه الأخطاء غير مقبولة تماما في اللغة المباشرة الناقلة للخبر، فكيف نمر عليها مرور الكرام في لغة النص الشعري أو السردي بمختلف أنواعه، لا أقول: إن الخطأ ممنوع لأن الإنسان قد يخطئ وقد يصيب، لكن المطلوب هو العمل على اجتنابه قبل أن تقع الفأس في الرأس٠ فالاهتمام بلغة الأدب ديدن نجاح كل إبداع وعصب حياته عبر الأزمنة والعصور، ولمن سبقونا في ذلك كلام٠
ما يثيرالانتباه أننا نكتب ما يسمى شعرًا، فيتمرد فيه المفعول على الفاعل ويحل محله، ويمنع المصرف ويصرف الممنوع من الصرف وقس على ذلك٠ فإذا كنا نتعثر في تدقيق قواعد اللغة في نصوصنا، فكيف سنحترم لغة شعرية تخرق المألوف وتخلق صورة ينتشي بروعتها القارئ، أو نحترم خصائص الجملة السردية من إيحاء وترميز وتكثيف واقتصاد في اللغة وبعد عن الترهل والحشو والزيادات المجانية، فقد يتحول القراء من البحث عن المتعة الفنية إلى مدققين لغويين يعالجون الأخطاء اللغوية، فشتان بين إبداع نص شعري وبين ترتيب جمل حبلى بالأخطاء في خط عمودي، بين إنتاج نص سردي وبين نقل أحداثً يعيشها القارئ يوميًا بأسلوب غث مباشر وتافه٠
فالتسرع في النشر قتل للإبداع، لأنه يستوجب تهذيب النص وإزالة ما يعلق به من عوالق على مستوى اللغة، أوعلى مستوى شرف المعنى القادر على تمرير رسائل للقارئ، فجودة اللغة وسلامتها من جودة المعنى بالضرورة، فالظبية لا تترك وليدها يدبرأموره قبل تنظيفه من مشيمته، وعدم تنظيف النص استهانة بالقارئ وظلم في حق اللغة التي نتوخى من كل مبدع أن يرفع رايتها عاليا بين سائر لغات العالم٠
إن العبرة بالكيف لا بالكم، بجودة ما ينشر لا بكثرة المنشورات، ولنقتد في كتاباتنا بشعراء الحوليات، إننا في حاجة ماسة إلى التريث والتروي قبل الإقدام على النشر، خصوصًا بالنسبة للنشر الورقي٠ فكبار الكتاب والمبدعين عبروا حدود القارات وتغلغلوا في العصور وتبؤوا مكانة الخلود الإبداعي بإنتاجات أدبية لا تتجاوز في أغلب الأحيان رؤوس الأصابع٠

السابق
تسول
التالي
ازدراع

اترك تعليقاً