القصة القصيرة

أعطني عمرا

لم يكن في إعتباره أن يموت هذه الأيام وبهذه الطريقة .. وهل هناك من يتخيل موته في توقيت ويطريقة معلومان له .. حتى المنتحر قد تتغير طريقة وميعاد موته عما خطط له ..
ولكن ماحدث معه ينبئ بمعرفته أنه سيموت .. وأعتقد أن هذا كلام لايعقل إطلاقا .. وتفسير ما حدث أنه قدر الله .. وتأتي الرياح دائما بما لايشتهي السفن .
إستعدادا لأجازة إستجمام طويلة طالما خطط لها منذ فترة .. أنهي سمير عثمان رجل الاعمال الشاب كل إرتباطاته التجارية بنجاح خلال مدة وجيزة .. ووطن نفسه أن تكون أجازة ممتعة له ولأسرته أيضا .
أنجز كل المعاملات المعلقة مع عملائه .. سدد كل ديونه للموردين .. أْرهق ماديا وجسديا لشهر متواصل .. بل أرهق جميع من يعملون معه .. وضعهم ووضع نفسه في سباق مع الزمن ..
رغم أن آجال السداد لم تحن بعد إلا أنه أصر على تصفية كل المواقف المعلقة من سنين مع كل من تعامل معهم .. سواء كان تعاملا من خلال شركته أو تعامل شخصي .. أو حتى تصفية ميراثه مع إخوته وسداد كل ما كان واجب السداد .. وترك قائمة بديونه المستحقة ومبالغ استحقاقاته لدى كل الناس .
جلس مستريحا يمارس الإسترخاء اللذيذ أمام البحر في الساحل الشمالي .. غرق في أفكاره مستلقيا على رمال الشاطئ .. يستمتع بيوم مشمس جميل بدأه قبل الجميع في الفجر .. ترك الشاليه كله يغط في النوم بمن فيه من أسرته وإبنة لأخيه أصر على إصطحابها معهم ..
ترك لخياله العنان وعاش أحلى لحظات مع نفسه .. أغمض عينيه وسرح متذكرا أيامه الخوالي .. محاولا تذكر ما هو جميل في حياته فقط .. ولكن هيهات أن تتركنا أفكارنا للجمال ..
شعر بغصة غريبة وقوية في نفس الوقت .. وليس لها ما يبررها فشريط حياته لم يظهر إلا أياما جيدة بحلوها ومرها .. وقد مرت عليه بسلام ونجح في عبور كل مشاكله وصعاب حياته ..
نجح أن يبني لنفسه مستقبلا جيدا .. أسرة صغيرة جميلة تنعم بالسعادة في ظله .. ومصنع متوسط للملابس الجاهزة يدر عليه دخلا جعله في رغد من العيش .. حتى وضعه الأسري إعتبره هو من أفضل الرزق الذي حباه الله به .. سواء في محيط أسرته أو حتى قريته الأم أو حتى محيط معارفه جميعا .. حيث يتمتع بسمعة جيدة وكلمة لها وزنها ومصداقية رائعة بالتعامل مع الجميع ..
حاول تجاهل هذه الغصة وراح يبني لنفسه آمال وطموحات جديدة .. كان كأنما يشحذ بطاريته بمحفزات كفاح مختلفة .. رأى أنه وصل لدرجة لابد أن يعيد حساباته من جديد لمواصلة الحياة ذاتها .. يحتاج لفترات راحة أطول من ذلك .. أجهدته السنوات الماضية بكثير من التحديات والمشاكل والصعاب والطموحات والنجاحات ..
غلبته أفكاره فنام لفترة لم يدر كم كانت حتى أفاقته لمسات حانية على كتفيه .. كانت يد إبنته توقظه من النوم في البرد أمام البحر .. إبتسم لها وملأ عينيه منها ..
بنت السادسة عشرة شابة يافعة يتدفق دم الشباب في وجنتيها .. أشعرته بخوف خفي عليها كأنما هناك من يتربص بها .. دنت منه فإحتضنها في حنو غريب كان قليلا ما يفعله في الآونة الأخيرة .
لم يشعر باللحظة إلا على كلمات إبنة أخيه تغبط إبنته .. تبتسم وهي تصور بكاميرتها مشهد الحب الأبوي الرائع .. فإحتضنها مؤكدا لها كما كان يقول دائما أنها في منزلة إبنته تماما ..
ضحك ثلاثتهم بعمق شديد وراحا يوثقا مشهد البحر الهائج أمامهما الآن .. وإلتقط منها الكاميرا وراح يتابعهما وهما تجريان وراء بعضهما في فرح طفولي برئ .
أخذتهم جميعا جمال الموقف من ملاحظة خلو الشاطئ ووجود صفارات غلإنذار والراية السوداء .. وإمتنع الجميع عن النزول للماء .. أخذ يصورهم مستمتعين بالجري على الرمال واللعب بالكرة ..
وفي لحظة غريبة جدا طلب من البنتين التصوير في المياة أمام الشاطئ مباشرة .. نزلتا بالمياه في منطقة قريبة من الشاطئ .. برغم كل التحذيرات وبطلب منه رغم حذره .. وكانت المياه لاتكاد تصل لمنتصف سيقانهم .. وإستمر مزاحهم وتصويره لهم وما بين ضحات وصور جميلة وفرح على الوجوه وسعادة تملأ صفحة وجهه .. حدث ما لم يكن متوقعا ..
جاءت موجة قوية جدا ألقت بالبنتين قرب الشاطئ .. وفي عودتها جرفت إبنة أخيه معها .. لم يستغرق الموقف نصف دقيقة .. إنتبه لما حدث وألقى الكاميرا وقفز بكل قوة إلى الماء .. سبح مسافة قصيرة قبل أن يصل إلى البنت لانقاذها .. دفع نفسه في الماء بقوة كبيرة مخفضا رأسة داخل الماء ..
جاءته موجة ثانية أعنف من الأولى .. ألقت بالبنت على الشاطئ وسحبته في عودتها للداخل .. وظلت الموجة في الرجوع لداخل المياة بقوة هائلة وهو يصارعها كسباح ماهر .. خارت قواه من ضربات الموج وأصبح كقطعة من الخشب تطفوم وتعلو فوق الماء وتأخذها موجة أخرى للداخل ..
استغرق الموقف خمس دقائق و كل من بالشاطئ يشاهد ه فقط دون حراك .. يبعد مع الموج ويصارعه .. يختفي تحت الماء ويظهر بالأعلى ..يطفو ويغطس كقارب في مهب الريح .
ولم يعد يسمع إلا صفارات الإنذار وصريخ أهله الذين تجمعوا على صراخ البنتين .. وأفاق كل من كان على الشاطئ من الصدمة على حقيقة أصبحت مسيطرة عليهم .. تضاءل الأمل في إنقاذه و إنتهى كل شئ .. لانجاة له من الغرق .. و وإختفى جسد سميرتماما .. وعليهم الآن محاولة إخراج جثته من الماء .

السابق
فوح
التالي
حوار مع القاصة الناقدة الأدبية زينب البوادي

اترك تعليقاً