القصة القصيرة

أمر بمهمة

دق الباب، ودون انتظار الإذن بالدخول فتحه.. ودخل..مد يده بالرسالة المغلقة.. قال: إنها من مدير التربية شخصيا..
سألته: ما فيها؟
لم أفتحها..أجاب..هكذا أمرني السيد مدير التربية ..أضاف برهبة وخشوع..
أخذت الرسالة من يده .. لم أفنحها..وأكملت بقية الدرس..
بعد انتهاء الحصة وقبل التوجه إلى قاعة الأساتذة فتحت الرسالة..وفوجئت بما لم يخطر ببالي إطلاقا..أمر بمهمة..
وتحت هذه العبارة الغليظة قرأت: يكلف المربي ط وابنه التلميذ في السنة الثالثة ابتدائي برعي أغنام قرية المحاديد يومي 9 و10 من الشهر الجاري..
وكانت رجلاي تطويان الطريق طيا ..
دق..دق..دق..
سمعت الصوت آتيا من الداخل..
ودخلت..
كان الغضب مايزال يشد أعصابي..
المحفظة في اليد اليمنى.. واليسرى ترفع كفها وتسأل: لماذا؟!.. ولم أفتح فمي..الدهشة أربكتني..
أوامري يجب أن تنفذ حرفيا.. وحتى لا يترك لي أية فرصة للنقاش رفع الورقة التي كانت أمامه وسلمني إياها..
اقرأ.. قال..
وقرأت: لمدير التربية كل الصلاحيات في نقل وتعيين أي شخص تحت إدارته لأي منصب وفي أي مكان يشاء.. وليس من حق الشخص المنقول أو المعين أن يبدي أي اعتراض..
قرأتها؟ سأل..
وأجبت : قرأتها..
عد إلى عملك إذن..
وما ذنب ابني حتى يعاقب بفعل الرعي أيضا؟!..سألت..
إنه من ضمن إدارتي كذلك..عد إلى عملك قلت.. ونهض غاضبا..
لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم.. قلت متحسرا وخرجت..
حين خرجت من المنزل صباحا كان أهل قرية المحاديد ورعيانهم قد جاءوا بأغنامهم كانت الأغنام تحيط المنزل الذي أقيم فيه وأسرتي من كل جانب..
كان ابني سامي فرحا وهو يسير خلفها ونحن متجهان بها بعيدا عن المنزل..وكان الخجل يلفني من رأسي إلى أخمص قدمي وأنا أتوارى ببعض النعاج في ذلك المنخفض المحاط ببعض الهضاب التي لاتتيح رؤيته من بعيد، بينما كان ابني يرعى بقية القطيع حيث يرى..وحين رأيته يتوجه بالقطيع بعيدا بقيت في مكاني.. وهكذا حتى غاب عن نظري..والتحقت به بعد أن ذهب الجميع إلى أعمالهم ، والتحق التلاميذ بأقسامهم.
عندما عدنا إلى المنزل مساء.. سألته أمه: ماذا أعطوكما أكلا للغداء؟
كسرة وحليبا رائبا..أجاب الطفل..
كسرة وحليبا رائبا؟! تساءلت متعجبة..ثم دخلت المطبخ لتحضير وجبة العشاء..
وكنت أرى من نافذة المنزل تلاميذ القرية متوجهين صباحا إلى المدرسة .. لقد تعمدت التأخر حتى لا يرونني..وحين دق جرس الدخول خرجت وكف سامي في يدي ..
كان أهل القرية ورعيانها يجمعون قطعان الأغنام وسطها.. لست أدري لماذا تعمدت لبس البذلة الوحيدة التي أملك والتي خصصتها منذ وقت بعيد لحضور الأعراس ومختلف الأعياد والمناسبات الوطنية والدينية .. ولست أدري لماذا استعملت ربطة العنق ولمعت الحذاء أيضا..
قالت العجوز التي صادفتها في مخرج القرية: الذئاب كثيرة.. احذر وانتبه جيدا..
ودون أن أتركها تكمل ما أرادت أن تقول.. قلت: سأذبح خروفا.. أشوي جزءا منه وأرمي بجثته لها..
فكرة جميلة.. قالت الفتاة التي كانت معها بفرح ظاهر..
أشاحت العجوز بوجهها عنها.. تشجعينه على فعلته إذن..؟! .. و..
كان قطيع الغنم يتجه نحو السهل الواقع بين الجبلين اللذين لا يبعدان عن القرية إلا بحوالي الكيلومترين حيث كان يبنى السد.. وفعلتها ..
قبل أن ينتصف النهار كنت قد ذبحت الخروف، وحتى يبدوا الأمر وكأن الذئاب قد أكلته فعلا جئت بحجرمدبب وغرسته في عنقه من الجانبين ..
كانت رائحة الشواء لذيذة.. وكنا وحيدين.. إياك أن تخبر أحدا .. قلت موصيا ابني..
لن أفعلها.. قال مبتسما..
رميت معظم جثة الخروف حيث رأيت أحد الذئاب يسير متبخترا.. وعدنا.. القطيع أمامنا ونحن نسير بتثاقل ظاهر خلفه..
أخذ أهل القرية ورعيانها يفصلون قطعانهم عن بعضها ويحسبونها..
ولم أنتبه إلا والرجل يصيح وقبضة يده على عنقي: أين خروفي؟!..
وبابتسامة عريضة أجبت: أكلته الذئاب..
أكلته الذئاب أم أكله إهمالك؟.. قال.. ثم دفعني بكلتا يديه حتى كدت أسقط على الأرض..
ستدفع ثمنه مضاعفا من أجرتك..نحن أهل قرية المحاديد نتحكم في مديرية التربية ..نظر إلي باحتقار ثم أضاف: وفي بقية المديريات..
ما ذنبي؟!.. سألت..
ستعرف ماذنبك.. أجاب..
وكان المدير يسلمني الرسالة الثانية وعلى وجهه ابتسامة عريضة تقول الكثير الكثير.

السابق
هروب
التالي
اعتذار

اترك تعليقاً