القصة القصيرة

أنا وأنتم وليل الشتاء

ها هو الشتاء، وما أدراك ما الشتاء، الشتاء قد أقبل، وجاء علينا بقضه وقضيضه،
أره واقفاً ، يطرق الأبواب ، ويدق بطيلسانه الأبيض ، وقد جاء معه الليل الطويل الجميل ،
ولا أخفيكم سراً.. أنا أعشق الشتاء منذ نعومة أظافري ، وأحبُ الليل حين يجيء ، حتى صرنا أنا والليل والشتاء أصدقاء ، ………….
لكن الليلة ليستْ ككل ليلة ، الليلة باردة جداً ، والصقيع يغلف كل شيء ، ويكاد يجمد أطرافي ، وأنا مريض جداً ، وضرس العقل يؤلمني منذ زمنٍ ليس بالقليل ، كثيراً ما فكرتُ أن أتخلص منه ، أقلعه وأرتاح ، لكن في كل مرة كنتُ أقدم فيها على ذلك كنتُ ، لا لشيء غير الخوف ، كنت أحجم في آخر لحظة وأتراجع ، لما كنت أتخيل نفسي بأني سأصبح من غير عقل ، أقصد ، ضرس العقل ،…..
” أنا طول عمري أعشق الشتاء ، وجو الشتاء ، وليالي الشتاء ، ولا أدري لماذا.. ربما لأني كنتُ أحبُ المذاكرة بالليل ، أو ربما لأن ليل الشتاء دائماً يشعرني بأنه لي وحدي ، وربما لأن هذا هو طبعي ، وطبيعتي .. أو ربما لأني كنتُ أشعر دائماً بأن الكون كله ملكي ، أو ربما لأني أحب الهدوء والسكون الذي في الشتاء ، والصمت الذي يأتي مع الليل .. أو ربما .. لا أدري”.؟!
أنا الليلة لستُ على ما يرام ، حقاً .. أجلس في غرفتي الصغيرة وحيداً مريضاً منهكاً متعباً مجهداً ومصاباً بالاكتئاب الحاد ، أتقلبُ على أريكتي كالجمر من شدة الضيق ، والملل ، والألم ، والحنق على ما يحدث وأراه في التلفاز الذي مازال يعرض نفس الوجوه ، ونفس الأحداث في نفس ذات البرامج المستهلكة ….
” قدري أن أري كل يوم نفس الوجوه التي لا تتغير إلا بتغير العالم ، نفس الوجوه التي تطل علينا كل ليلة بنفس الكلام ، وفي نفس ذات الموضوع ، والبرامج ، ونفس المساحيق الرخيصة ، ونفس ما يسمونهم المحللين السياسيين ، وكذا النخبة يثرثرون ويتشدقون في كل شيء ، وعن أي شيء ويتنبئون ويتوقعون أشياء ، وأشياء ، وكأنهم أنبياء ، ويدعون بأنهم يعرفون كل شيء وجوه غير محببة لديّ ، مججتها وسئمت رؤيتها جميعاً… ألا شاهت الوجوه … وسحقاً لكم جميعاً ….. ”
تحمَّلوني فضلاً منكم الليلة ودعوني أدردش معكم قليلاً لبعض الوقت ، فالليلة استثنائية وغير
عادية ، وأنا أريد أن أتحدث مع أي أحد لأخرج من الحالة التي أنا فيها الآن وأريد أن أنسى المرض وعذابه والآمه.. فأنا الليلة مريض جداً.. الخنقة ماسكاني … ــ آه ــ ….
سأحدثكم عن نفسي ، وسأخبركم عن عادتي الغريبة عندما يأتي الشتاء ، وعن طقوسي العجيبة عندما يقبل الليل ، وتحين لحظة الغروب ………….
دائماً أُعد العدة لاستقباله ، أجلس أنتظره أحياناً في الشرفة ، وأحياناً فوق سطح دارنا القديم ، وأحياناً أخري أنتظره وأنا في الشارع ، وأحياناً يأتيني على سهوة ليأخذني من يدي ويعود بي إلى البيت حيث غرفتي الصغيرة ذات الأحلام الوردية والصور ليدخلني في شرنقتي الحريرية الجميلة.. هل نسيتُ أن اخبركم بأن الشتاء وأنا توأمان ، مع أنِّي ولدتُ في فصل الصيف وتحديداً في غرة شهر أغسطس يعني ؛ في عز الحر إلا أنِّي أحبُ الشتاء جداً بل أعشقه بجنون..لا يمكن أن تتخيلوا مدى حبي للشتاء ، وليالي الشتاء ، ومطر الشتاء ، ولبس الشتاء ، وطعام الشتاء ، ودفء الشتاء ، وكل شيء متعلق بالشتاء ، ولا أدري لماذا كل هذا الحب الشديد ..؟! ،.. ولا ما سر أو نوع هذه الكيمياء التي تجمع بيننا ..؟!! ،…. أنا أحب كل شيء في الشتاء… ؟! ……
دعوني الآن أهيئ لكم الاجواء ، وأهيئ غرفتي الصغيرة ، وأعدها إعداداً جيداً ، لسهرة الليلة …
” أنا أحب أن يكون كل شيء حولي مرتباً ونظيفاً مع أن زوجتي لها رأي آخر في هذا الأمر ، هذا هو سريري قد فرشته جيداً ، ” في الحقيقة انه ليس سريري وانما هو سرير أبواي ورثته عنهما ــ رحمهما الله رحمة واسعة ــ” أما موقد النار هذا فقد اشتريته من نقودي للتدفئة ،..
لحظة واحدة أغلق الشباك المطل على الشارع حتى أمنع الأصوات القادمة من الخارج ، والضجيج المزعج القادم من هناك ، ها قد فرغت ، وعدت إليكم ..
وها هي الكتب على المكتب والأقلام والدفاتر ، والمصباح الموفر المنير في الغرفة ليحيلها إلى نهار صامت.. تلك الغرفة التي شاركتني عمري كله ، وشاهدت معي أجمل ذكريات حياتي ، فيها فرحتُ ، وفيها حزنتُ ، وفيها بكيتُ ، وفيها لعبتُ ، وكتبتُ ، ونمتُ ، وقمتُ ، وفيها كان كل شيء ، وهذا هو الموبايل المحمول …
” أذكر عندما توظفتُ واستلمتُ عملي من حوالي عشرون عاماً تقريباً أو يزيد ، عملتُ جمعية وقدمت على التليفون الأرضي ، فلم يكن هناك تليفون محمول دخل مصر وقتئذ ، أظن ذلك ، تقدمتُ بطلب ، ودفعتُ الرسوم ، وانتظرتُ فترة من الزمن حتى جاء دوري ، وركَّبتُ التليفون في المنزل وفرحنا به ، واحتفلنا أيَّمَا احتفال لأن الذين كانوا يركِّبون التليفون في هذه الفترة هم النخبة والأعيان ووجهاء البلد ، والذين معهم المال ، أما اليوم فقد صار التليفون في كل بيت وفي يد كل كبيرٍ وصغير ، وكل رجلٍ وامرأة ، وأصبح كالماء والهواء في متناول الجميع والأغلب الأعم متصل بالنت كذلك ……
وهذا هو جهاز التلفزيون أمامي .. هذا الصندوق العجيب ، الغريب ، الساحر ..
أذكر .. وأنا طفل صغير لم يكن إلا جهاز الراديو وفقط وكنت أسمع الناس وهي تقول حينها :
” القيامة ستقوم” ولما كنتُ أسأل عن ذلك ، لماذا ..؟!.. كانوا يقولون لي ” الحديد صار وأصبح يتكلم ” حتى ظهر التلفاز أبيض وأسود ، وكان قناة واحدة فقط ، ثم اثنان ، القناة الأولى ، والقناة الثانية ، فقط لا غير ، وكان يفتح التلفزيون في تمام الساعة الحادية عشر صباحاً ، ويغلق في تمام الساعة الثانية عشر في منتصف الليل على ما أذكر ، وكان يبدأ الارسال بالقرآن الكريم وينتهي بالقرآن الكريم ، أما اليوم فقد أصبح الفضاء مفتوحاً ، وصارت القنوات لا تعد ولا تحصى ، والارسال أربعة عشرون ساعة في أربعة وعشرون ساعة ….
الكمبيوتر أيضاً ها هو أمامي فوق المكتب.. الكمبيوتر لغة العصر ،
أذكر ، يوم شريته كنت مبهوراً به ومهابه في نفس الوقت ، اشتريته فقط من أجل أن صديقي كان يقتنيه فكنتُ أذهبُ إليه فيقوم بتشغيله لنا ” فيديوهات وافلام محملة وفقط “….
وهذه علبة السجائر ” كليوبترا أصلي بوكس” لماذا أنا قلت أصلي ..؟! ..
اشرح لكم الموضوع ، وأوضح لكم المعنى ؛
” الصين صارت تُقلد كل شيء في العالم وتغزو البلاد بصادراتها ، فرز أول ، وفرز ثاني ، وثالث ، وعاشر ، وتصدِّر كما يقال إلينا من الابرة للصاروخ ، فصارت تُقلِّد كل شيء حتى السجائر ، وكلمة في سركم ، صنعوا موديل عريس وعروسة …
وهذه القدَّاحة بجوار علبة السجائر … وأناً طبعاً أرتدي الثياب الشتوية الثقيلة ….
ابقوا معي هذه الليلة من فضلكم ، ابقوا معي ، وعيشوا تلك اللحظات الجميلة معي ، فهذه الليلة فيها ما فيها من الأرق ، والقلق ، والزهق ، والذكريات ما فيها ، وليل الشتاء طويل جداً عليَّ ،
وأنا أجلس وحيداً لا أنيس ولا جليس أجتر ذكرياتي التي بعضها سعيدٌ مبهج والبعض الأخر غير سعيد .. والصقيع يغلف الأشياء ، وقد صرنا أنا وأنتم ، والليل والشتاء والسهر أصدقاء ..
هل تسمحوا لي أن أصحبكم معي الليلة في جولة خاصة ، فالليلة ليست ككل ليلة ،..
تعالوا معي لنبدأ رحلتنا الليلة سوياً ، ولتبدأ جولتنا الليلية كالمعتاد بمشاهدة التلفاز ، لكن دعوني أخبركم قبل أن نبدأ السهرة ، أقول لكم: بأن ” العالم قد صار قرية صغيرة ، فكل شيء يحدث في العالم يُسمِّع في كل مكان.. كما أن التاريخ يعيد نفسه ، فكل ما يجري على الساحة العالمية يتكرر بالحرف الواحد ، يكاد يكون نسخة بالكربون .. أزمات اقتصاديه طاحنة .. والوباء .. وتحويراته.. وتحولاته .. والمجاعات حول العالم في كل مكان.. والانسان فيه الخير وفيه الشر ، وعجلة الزمان تدور ولا تقف عند أحد ………..
والإرهاب الأسود يضرب في كل مكان ، ولا يرحم أحد ذلك الإرهاب الذي لا دين له ولا وطن ، والحروب اللعينة في كل مكان هنا وهناك تُشعل نارها لتحرق الأخضر واليابس ، وتُزهق الأرواح البريئة التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل .. مع ضياع مقدَّرات الأوطان ، والشعوب ، ورجوع إلى الوراء عقوداً طويلة من المرض ، والفقر ، والجهل ، هذا الثالوث القاتل المدمر ، الذي لا ينجوا منه أحد ، ولا يُنتج عنه دائماً إلا الخراب والدمار ، والأوبئة المستوطنة حول العالم .. زائد التخلف الحضاري … و…. و…..
لو أن العالم أنفق نصف ما ينفقه في الحروب أو حتى ربع ما ينفقه في شراء الأسلحة لينفقه
على البنية التحتية ، والصحة ، والتعليم ، لتقدم العالم إلى الأمام بسرعة الضوء …
يا ليت الانسان يفيق ويعرف بأن الله حق قبل فوات الأوان لكم أتمنى لو أن العالم يعيش كله في أمن وأمان وسلم وسلام وحبٌ ووئام …..
أنا أكره الحرب ، وأكره أيضاً اولئك الأشخاص الذين يشبهون الببغاوات وتلك الوجوه المنافقة الملونة كالحرباء ، والمنتفعين من دوران رحى الحب ، وأكره أيضاً المرض والألم ، والموت …
انتصف الليل وأنا مستيقظ ، بين مد وجزر ، وذكرياتي تنفرد ملفات أمامي وتنطوي ، وبنات أفكاري نائمة ، والليلة ليست ككل ليلة ، أفكاري شظايا مبعثرة في كل مكان ، والمد والجزر بداخلي يشتد ويمتد ، والفكر كلاب سعرانة في رأسي ، وظلْتُ أتقلب على أريكتي لما أجده من تعب ، وألم ………….
ولما وجدت العقل غير هادئ ، قمت أضئت المصباح ، صنعتُ كوباً من الليمون ، ثم أشعلت السيجارة الأخيرة التي معي في العلبة ، والأوراق البيضاء أمامي تغريني ، والقلم ، وأنا أفكر ماذا أصنع ، أمسكت القلم ، وفتحت قوساً صغيراً ، وكتبتُ …….
” حين يأتي الليل يفردني الأرق على الورق قلق ، والليل أسورة من ذهب ، وقيثارة مسحورة وصولجان يدخلني في عالم الخيال ، ويحبسني في قنينته .. “القمقم” …..
الليل يحوّلني إلى طفلٍ صغير ، لم يبلغ الحلم بعد ، لا يعرف معنى الكلمات ، لا يجد غير الخوف واسأله مغلقة معلَّقة في الفضاء ، ويحاول أن يصلبني على جدران الذاكرة ……….
الليل يداهمني بالوجع وتسكن بداخلي الأوهام ، تتعرى حقائق الأشياء وتسفر عن نفسها أمامي تكشف عن ساقيها ، وأصوات الكائنات تحملني إلى عالم غريب مجهول لا أعرف له أبجدية ،
حين يأتي الليل بكل امرأة عرفتها أو قابلتها يوماً ما في طريق الحياة ، يجلس الفكر يحدِّق فيَّ وأحدق فيه وثالثنا الصمت المطبق الموحش المخيف والوقت يمر يلتهم الأشياء ، والليلة أراني أطارد أشباحاً وأوهاماً والملل يعشعش فيَّ وأعشعش فيه ، وأشياء أخرى لم أراها …….
يأتي الليل أحلاماً تصارعني وأصارعها ، تدافعني وأدافعها حتى خيوط الفجر الأولى إلى أن تطلع الشمس الذهبية من مشرقها لنشر ألوانها الزاهية على وجه الحياة ” ……….
وحين شعرتُ بالملل يتسرب إلى نفسى ، ألقيتُ الورقة والقلم من يدي ، وقفزتُ كالمجنون أدور في الغرفة على غير هدى ، وتمنيتُ لو خرجتُ ورميتُ نفسى في الشوارع ، ولكن الوقت متأخر وقانون الطوارق ما زال سارياً في البلاد ..
أحياناً كثيرة فعلتها ، رميت بنفسي في الشوارع والطرقات الغارقة في الظلام الدامس ومشيتُ على غير هدىً حتى الصباح ..
لكم أتمنى أن أفعلها الليلة ، فقد قرفتُ وزهقت ، واختنقت من الأحداث التي أراها تجري أمامي ومن حولي ومن كل شيء ،
ألقيتُ ” بالريمونت” من يدي بعيداً عني ، أطفأت كل المصابيح التي في المنزل استرخت على فراشي ، لعلي أنام ، ولكن هيهات هيهات.. وظلَّتْ عيناي معلَّقة بالسقف……………
أنا الآن أنظر إلى سقف غرفتي التي شهدتْ معي كل سنين عمري ولا أدري من أين أتتني هذه العادة التي أراها سيئة ………………
ولا أدري لماذا في هذه الليلة بالذات ، فكرتُ في الزواج ، لكني ضحكتُ عندما تخيلتُ نفسي متزوجاً وزوجتي بجواري تمرِّضني ، وتمنيتُ لو أني كنت متزوجاً وكانت لي زوجةً وأولاداً ، ربما لو كانت معي الليلة امرأة جميلة ربما لكان الأمر اختلف معي كثيرا الليلة ، لكن امرأة واحده لا تكفي هذه الليلة كي تسامرني تسرِّيني تسلِّيني وتُسرِّي عني ولكن سرعان ما طردتُ هذه الفكرة من رأسي فأنا من زمن بعيد مستبعدٌ تلك الفكرة من رأسي ولم أفكر فيها إطلاقاً لأني لم أجد تلك المرأة التي تشبهني “..
هذا هو الشتاء ، وما أدراك ما الشتاء ، والليل وما أدراك ما الليل ، والناس فيه نيام ، وأنا هنا وحدي في صومعتي دائماً أباتُ صاحياً ، أتعبد في محرابي ، أقرأ ، أُفكر ، أكتب ، أحلم ، أحلام يقظة وربما شعرتُ بالملل ، والفراغ ، والألم ، وربما سرحتُ بخيالي بعيداً جداً ، وربما عدتُ إلى الماضي البعيد ، واستدعيت ذكرياتي الجميلة من خزانتي الجميلة ، وربما فكرتُ في الحاضر ، واستشرفتُ أيضاً المستقبل الجميل الآتي من رحم الغيب القريب ..

السابق
العمّ ” موسى “
التالي
سذاجة

اترك تعليقاً