الخاطرة الطويلة

أنا وصخرتي

بخطوات وئيدة ولا وعي كثور يدور مغمض العينين، أسير في شارع البحر عقل شارع بين لحظة وأخرى أحاول لملمة شظاياه المتناثرة، في مساحات متشعبة لأفكاري.
زاغ نظري لحظة يداعب أمواج البحر لمحت صخرتي، أشفقت عليها من تلاطم أمواجه العاتية، عفوا أسميتها صخرتي لأنها، شهدت طفولتي وصبايا، كنت أهرب إليها كلما ضاق بيت المخيم بصياح الأخوة ومشاجراتهم التي لا تنتهي، لا شعورياً تحركت قدماي، قفزت برشاقة أدهشتني متخطية حاجز كورنيش البحر الاسمنتي، تأملتها جيدا، صامدة لم يأكل منها البحر شيئاً سوى تجرأ بعض الطحالب الخضراء على سطحها، وضعت قدمي على حافتها، وأشعر بالأسف والاعتذار لهجرها سنين طويلة، منذ انتهاء دراستي الثانوية، ومغادرة البلد للدراسة الجامعية، وحتى بعد عودتي من سنين غربتي الدراسية، لم أتذكرها، انشغالي بالبحث عن عمل، وحتى بعد توفر عملاً حكومياً لا بأس به يتناسب مع مؤهلي، والكل يعرف راتب العمل الحكومي بالكاد يغطي مصاريف أسرتي التي انتظرت طويلاً … نعم نسيتها بانشغالي بالأسرة، وغرقي في نقاش وطيس ومعاتبة مع والداي، وهما يقضمان من مصاريف لقم عيشهم، ليوفرا مبلغاً من المال يمكنهما من رؤية أحفادهما، أولادي، لم يصغيا لاحتجاجاتي، فاستمرا في حرمان نفسيهما وأخوتي من أشياء كثيرة ليتوفر جزء من راتبي مع جزء من دخل والدي من بسطة الخضار المتواضعة والمضنية في السوق، يضطر للخروج من بعد صلاة الفجر حتى غروب الشمس يومياً بلا انقطاع، رغم ارهاقه رفض الراحة بعد حصولي على الوظيفة مع بلوغه من العمر عتياً
بعد نظرة التأسف ورجاء التسامح، تسلل نظري إلى لجة البحر الزرقاء وهي تلألأ مع بقايا أشعة الشمس البرتقالية، قرص الشمس فقد وهيجه، بتلونه البرتقالي، وهو ينزلق ببطء مودعاً نهار يوم خريفي بارد، انتقل بصري المنتعش من جمال المنظر إلى الأفق، لم أدر لماذا راودني إحساس بأن الشمس تقاوم الغرق وتمد أذرع أشعتها إلى الأسماء وكأنها تستنجد من الغرق.
انساني المنظر المبهر همومي، وتماديت بمخيلتي مع أذرع أشعتها المضيئة، كأنها تتمرد وترفض الحفة العتمة، انقطعت أنفاسها واختفت، تركت السماء مدلهمة، ما زلت واقفا لم أشعر بتنمل قدماي وقد ضيق عليهما حذائي حصارهما، بدأت نسمة البرد الخريفية، تصفح وجهي وتتسلسل إلى مفاصلي.. صرخت أين أنت يا شمس الدفء؟
عدت لحساباتي المرعبة، المبلغ الذي يطلبه والد العروس التي اختاراها والداي، مهرا لابنته فوق قدراتي وقدرات والدي الذي بذل عبئا كبيراً ليوفره، اقترح والدي أن أحصل على قرضا من البنك، يسدد على مدى عامين من راتبي، تسألت هل أغرق كما الشمس، وهمست الشمس تعود للشروق، فهل استطيع العودة للشروق بعد زوال ظلمة الدين أم أستمر في الغرق من عتمة إلى دجى
عدت لصخرتي استمد من بعضاً من قوة صمودها أمام ضربات الموج المتلاحقة، سألتها هل أبدأ حياة زوجية مع ضربات أمواج الزمن الهادر؟ لكي يفرح والداي بأحفادهما ولكن إلى متى؟ .. إلى متى؟
صرخت لن أتزوج بالدين، نعم أصبر واعتصم، سأدفن غريزتي، حتى تشرق فيه شمس حياتي، شعرت بنشوة بعد قراري تسري في جسدي، حاورت صخرتي مبتهجاً بلا خوف سأنتظر شروق شمس أسرة مطمئنة بلا قلق.

السابق
دروس
التالي
‏عروج

اترك تعليقاً