القصة القصيرة

أوراق تحتضر

كانت النجيمات العالقة بجو السماء البراح من حوله ، ترسل سنى ومِيضُها اللامع من أبراجها العالية .. فتتساقط كرذاذ الرمال الناعمة ، وتتشابك أمام ناظريه كتشابك عَصا الجمالون فى يوم سوق مكتظ بالنياق الحمر ، التى لا تهدأ فى مكان البتة ، أو كالخيل العربية الحرون قبل ترويضها ، أو كسواعد الحمالين المعروقة فى مواسم الحج الأكبر .
وسرعان ما تنسحب تلك الومضات بعيداً ، عن رحابة كفه المشقوق نصفين .
.. ثم ترسو..
عند أفواه النوافذ المشرعة على مصاريعها بالبنايات الشاهقة الارتفاع ، فلا ترويها ولا تظللها .
البنايات متكورة على بعضها البعض فى غيبة من التخطيط ، الذى يجب أن يكون ، فتستريح الأعصاب قبل الأبدان ..
والمملوءة بالدهن والعسل المصفى ، وما لذ وطاب من شتى أنواع الأشربة والأطعمة ، التى لايعرفها العامة من البشر معدومى الدخل ، ولا يعرفون لها اسماً من قبل أو من بعد ..
فى حين أن نواح هؤلاء المُعْدمين ، بكل موضع من الخليج إلى المحيط .
.. تئن ..
تتصاعد أناتها ويرتفع طنينها ، فيعكر صفو الحياة والسماء من حولهم .. وتكسو صفحة الفضاء بالغيام الداكن .
بينما عويل الأمهات الثكالى تلف البوادى القفار .
.. تجأر ..
ثم تزعق وتسائل الطلل العاقر عن مذقة من ندى دافئ ، يروى ظمأ العطشى من دود الأرض الشغال ، ويهديهم إلى نقطة ضوء هاربة من بين أنياب الغيام الداكن الذى يلف الضياع ، وتحيلها إلى شىء يكسر الحوار العقيم الطويل الدائر حوله .
= فى ومضة خاطفة دوّت فجأة بركن من البقاع التى كنا نحسبها على الدوام ، جنات خضراء يانعة وارفة الغصون والأوراق .
تكشفت على إثرها الأستار دون تحفظ منها ، وبدا للعنان كل الجذور الخائخة المدفونة وسط سواد الليل البهيم .
زاغت الأبصار الهادرة فى مكامنها ، حيث سعيها الحثيث لكسب لقمة عيش هانئة ، تكفكف بها دمع الأمهات الثكالى ، وتشنجات الأطفال الصرعى على الأرصفة ، والتى تتنكر حتى لعابريها .
وتتفادى نظرات العسس الطامع لما بين أياديها وأيادى المعدومين ، فى رقدتهم النائحة خارج الأبواب المتخمة بكل ألوان النعيم المحرومين منها .
لم يجرؤ أحد منهم على الاقتراب من أسوار البنايات الشاهقة الارتفاع ، وفض (الأحراز) والتعليمات الصارمة على مدار نصف قرن من الزمان مضت .
كل ما صنعوه حسن الاستماع ، وتصديق كل الوعود البراقة بالغد المحروق والحارق لكل الجباه المتطلعة لبقعة الضوء ، المتلألئة داخل الأسوار المضروبة حول البنايات الشاهقة الارتفاع .
ــ لا جدوى ترتجى من قول مأثور يسرى بين العامة من حين لآخر .. بينما تتطاير فى المذياع المعلق على واجهات البنايات الشاهقة الارتفاع ، بقايا أغنية قديمة ، ورجع مواء ..
(أمجاد يا عرب أمجاد)..
تتبعثر الحكايا الأليمة بكل الحوارى والدروب مع كل ما يبثه هذا المذياع .. يتدافع الهوام السابح من العوام نحو قبس النور الساطع من بعيد ، وذبذات المذياع الخادع ، كى يصطلوا بومضة من ومضاته الباهرة ، أوبشحنة طاقة تفلتت من بين أيادى عسس الأسياد الطامعين فى كل شىء .
تموت فى محاجرها الأنفاس النافذة لصلب الحقيقة الدامغة ..
ــ عند هذا الحد تتلاشى التواريخ جميعها بين أدراج الرياح الهوجاء ، الضاربة بيد من حديد لكل الروابى والتلال ، وكذا الفيافى القفار أينما وجد بها نفس يصعد ظله نحو السماء البراح .
وترتعد فرائس العبيد مهما كانت غارقة فى لباب الهزيمة المحدقة بالجميع .
= تتعالى الهمهمات المكتومة بالصدور الضيقة من جديد .. يصل زفيرها للآذان الراقدة وسط أنات دود الأرض الشغال .. طنينها يغطى قمم البنايات الشاهقة الارتفاع ، ويلفها بوابل من حقد أسود ممتد فراسخ عديدة بباطن الأرض النازفة بالدماء القانية ، من ازدياد لسعات (السياط) المنقوعة فى براميل الزيت المغلى شهوراً ، داخل الأسوار المضروب عليها ألف باب وباب) .
على متون وبطون العامة هنا وهناك .
تتقد من ذاتها كل المتناقضات .. تخنس الآهات فى سرابيلها الطافحة بالمرار ، داخل الأنفس خارج وداخل الزنازين المطلية بدماء النزلاء ، وهم كثر!
تتناثر اللأت فى شقوق الحقول الجرداء والحلوق المشروخة ، ترسم تحت الثرى نوبة هياج مكبوت .. تتماوج .. تتمدد .. تتكاثر .. تنضج عويلاً مذاقه مغاير لكل الأغيار من البشر السابقين واللاحقين .
تستميل تماوج فروع الأشجار والأوراق .. تحتضر فى دورة نفورها عن الجذور المنبتة .. فلا يقوون على مواجهة الحفيف الصادر حولها؟
= على مفارق دروب عديدة خالية من المارة ، يقف بعض الصبية صغيرى السن مسنونى الألسنة والأهداب .. تتلوى حناجرهم ببعض الحروف المبهمة .. لم يصفُ رجع صدى شفاههم على شىء ثابت ذى مغزى ..
يفرد إحداهم ذراعه الأيمن بعيداً عن جسده الضئيل .. يحمل قطعة من قماش
بالٍ مرسوم فوقها نجيمات ثلاث ، يتوسطهن هلال تشير فتحته باتجاه الشرق الجنوبى حيث الكعبة المشرفة ..
(لا يهم هنا ذكر مغزى النجيمات الثلاث وكينونة الهلال) .
ــ تتمدد (قطعة) القماش البالية بين يديه .. تغطى كامل جسده الضئيل ، وعرض الدروب جميعها من الخليج للمحيط بأبعادها السبعة بمزيد من الحماسة .
= فى النهار التالى ، والشمس بعيدة عن الرؤوس العارية .
إذ برجل نحيل البنية .. تخطى منتصف العمر اسمه (معلوم) بذاكرة كل من يحيا ببلاد الشرق الأوسط .
يشعل النيران فى جسده الضئيل .. كى يتخلص من الآلام النافذة إلى جذور الأشجار ، التى كانت لزمن قريب خضراء يانعة ، وتفرد ظلها وأوراقها الوارفة من مقر الأزهر الشريف والقيروان إلى غرناطة وطليطلة (Toledo توليدو) بالبر الشمالى للبحر الأعظم قروناً.
وما لبثت – حتى سرح السوس الأخرق فى أصلابها- وطال للباب كل ما هو أخضر ، فأتى عليه .
وامتدت للضياع وما عليها ، فهلك من هلك ممن كانوا يهدون البشرية بشتى العلوم النافعة ، والمعرفة الدافئة دهوراً متعاقبة .
ولم يقدروا على صد قسوة وغلظة قلوب العمال والحكام والولاة ، الباركين على مقاليد كل شىء من بيت (ابن الحجاج) فيما بين النهرين ، إلى منتجع (بن على) وليلاه ناحية المغرب الغربى وما بعده .
= بينما كان الهزيع الأخير لليلة شتاء كان بردها قارصاً ، وعلى قارعة طريق طويل بشارع عريض ممتد بعرض الوطن المكلوم بحكماءه .. كانت نافذة قصور مملوءة بالدهن والعسل المصفى ، وبراميل الزيت المغلى الراقدة فيها الأسواط اللاسعة ، توصد أشرعتها وتخبو أضواؤها .
وقف (رجل) آخر يصرخ ..
الرجل هذه المرة كان حليق الذقن والشارب .. وطاعناً فى السن .. وكانت الأوراق الوارفة على غصونها الراسخة فوق جذوعها الضاربة فى عمق الأرض ، والتى كنا نراها خضراء يانعة .. تلفظ أوراقها الواحدة تلو الأخرى رغم وقفتها الشامخة .. إيذاناً منها بالموت سراً ، احتجاجاً على غرق الشباب فى رحلات الفرار غير الشرعى بالمياه المالحة ، هرباً من لسعات الكرابيج على ظهورهم (وقلة الحيلة) وقنوطهم المتنامى فى إيجاد فرصة عمل شريف فى محيط بلادهم ، وحتى الحصول على أربعة حوائط تأويهم ، ولقمة عيش لا تسبب لهم الموت المؤكد ، أوالتخفى من نظرة عابرة تقتل آدميتهم وتقول :
إنكم لستم بشراً مثلنا ، وليس لكم عندنا كرامة نمنحها أو نحجبها .
نطق الرجل وهو يعتصر بمفرده باكياً..
(لقد هرمنا .. لقد هرمنا)..
سمعتها كل الخلائق فى الأرض والسماء من الخليج للمحيط ، وتعاطفوا معه وجباههم لا تعلو عن مستوى الأرض ارتفاعاً.
ــ يهتز التلفاز بسرعة البرق بجوف بلاده ، وتتعالى بكل قنواته الفضائية كلمات معادة ومكررة بطعم الخُبْثُ والتسكين .
(لقد فهمناها .. لقد فهمناها) …
ــ لم تلبث سويعات قليلة ، ودوت فى الآفاق أّزيز طائرات هاربة .. سرعان ما ملأ صوت أزيزها الفضائيات على مستوى بلدان العالم ..
حارت العقول فى فهم حروفها الصحيحة ..
ــ بان عليها يارب؟
ــ بن على هرب؟
ــ بن على هرب؟
تمايلت الأشجار فى وقفتها شبه الميتة فوق الهضابوالتلال ، التى كنا نحسبها على الدوام خضراء .. تواسى سنين العمر المفقود فى معسول الكلام .
ــ نحن لها .. نحن لها ــ
زمجرت الأمهات والآباء بكل البيوت والحارات على اتساع الوطن من الخليج إلى المحيط ، مع الفتيات والفتيان المنتشرين بكل الميادين بصوت ونبرة واحدة .. كفانا انزواء خلف الأبواب المغلقة والخنوع للأقوال المعسولة ، والوعود البراقة التى لاتغنى ولا تسمن من جوع .
ـــ بل نحن لها .. نعم نحن لها ــ
دانت السماء بالأرض ، وتواصلت شواطىء (سوسة وبنزرت) بكوبرى قصر النيل وتعز والحديدة ، وكل الميادين المكتظة بالهتاف السلمى لإعادة الحقوق المسلوبة لأهلها .
انفلق الصباح جديداً ..
نطق:
لا بأس!
لقد فهمنا الدرس!
سنموت كما الأوراق الوارفة بأعالى الأشجار وقوفاً ، ونلفظ الفروع المائلة فينا ونعلى الراية دائماً للأمام .

السابق
رجل
التالي
بطالٌ

اترك تعليقاً