القصة القصيرة

أوراق سجين

… ببذلة حمراء، وعيون ذابلة، لا تنتظر موسما رسميا ولا حلة عيد، على الجدران أرقام وعلامات تنسج أيامه المتكررة بنفس المعنى، الاعتقال، فقدان الحرية والمكان الغريب، والأغرب أن “اروسيس” يسمع همس الآخرين:
ـ نحن الآن في مأزق كبير ، هنا يُنسى السجناء، لا حل غير الموت..
يصيح في أعماقه:
ـ ماذا فعلت كي أُسجن؟ في أي مكان يوجد هذا السجن؟..
يسمع مرة أخرى:
ـ ذلك الشخص، كان يقل طائرة فقدت وجهتها، وكان وقوفها اضطراريا..
فكر مليا، تذكر أنه ترك زوجته الحامل في شهرها الخامس، لا حيلة له غير الانتظار ، انتظار يوم ما وعودة إلى بلده الأصل ، ربما سيجد ابنته في سنها الثلاثون، لا تعرف شيئا عن أبيها الذي ودع أمها التي ماتت من مرارة فقدان زوجها، وتركها لا أرملة هي، ولا متزوجة عانت الكثير من أجل أن تصبح ابنتها أكبر دكتورة في البلد ، تركهما الأب بعد أن ذهب للمشاركة في إحدى الملتقيات الأدبية بفنزويلا، يعود، تلمس الجميلة في وجهه ملامح الأبوة، تسيل الدموع البريئة فرحا باليوم الجديد، ذلك ما ينتظره في لواعجه، إنها لم تكن فنزويلا إذا، في الغد يرى “اروسيس” ، جثثا ملقاة على الأرض، الذباب يطوف بالمكان ورائحة كريهة تعم الأرجاء:
ـ هل سأبقى هنا؟ من المسئول عن هذا المكان؟ كيف لي بمواجهة الأمر؟ هيئة الكتاب تنتظر تواجدي بالملتقى، بماذا سيفسر الكل غيابي؟
في الملتقى، أعلن رسميا أن الطائرة القادمة من بلدة “اروسيس” تم انجلاؤها في إحدى الجزر المجهولة، ظن الجميع أن كل الركاب ماتوا، وفُقدت وجهتهم وهويتهم ، وقد يتعذر على ذويهم ، كيفية إجراءات التمويت، لأنه لا يوجد هناك شهود عيان كي يثبتوا أن الأمر لم ينته بعد، وجد الركاب أنفسهم في مواجهة مقنعين لا تفهم لغتهم، بعضهم يحمل أشداق لحم غير طاهية بعد، يحسبهم الكل مجرد وحوش، تنتظر من يسقط في مأزقها، والرزق هذه المرة أتى من السماء، كان جسد بعض الركاب يفوح برائحة العطر والوحوش في تلك اللحظة تستغرب من الطيب النابع من الأجساد العابرة خطأ إلى الجزيرة العفنة…
سفينة قدرهم لا تتوقف عن الآلام، وكل يوم تسقط الأجساد جوعا وأملا مفقودا لكل دقيقة، بل ولكل ثانية من الفرح اللا موجود…
في صبيحة يوم جديد، أدرك السجناء أن هناك أمرا ما، سمعوا صوت الطبول، صوت اللا حرية، في الأيدي قيود ، ودليل على بداية أو نهاية ما، إشارات تدل عن الغضب الساطع فوق الجلود:
ـ اصطفوا، اعلموا أننا لن نفعل بكم خيرا، لنا قصص الماضي معكم، أنتم من مزق عالم القانون، أنتم من صنع من المفروض عالم الافتراض، أوراقكم صعبة لن نرحم اليوم أبدانكم…
هذا كل ما فهمه المتورطين المنبوذين، في العالم الجديد، عالم أسس على الرقص للجريمة، في مكان شاسع محاط بالجدران الترابية، اصطف الجميع، صوت الرصاصة يقترب من الأجساد، مات الأول ، الثاني ، الثالث…
“اروسيس” يسقط قبل وصول الرصاصة، الوحوش تفقدت المكان ، ترفس أرجلهم أجساد الأبرياء، النمل يتطفل على الجسد الغريب عن الموت…لا يستطيع أن يصرخ المكان نفس المكان الذي يحمل الجثث المدماة، الوحوش تنام فرحا في مكان آخر ، يتسلق “اروسيس” ذلك الجدران ، نجا من موت محقق، يجري في واحة خضراء، ثم يسقط في أحلام أخرى معانقا ابنته التي تسكن أحشاءه، تصرخ الابنة في قاعة الملتقى بفنزويلا:
ـ عفوا للحضور الكريم، أبي من كلفني نيابة عنه بينكم، فاقبلوا صرختي عنه لأني تركته مريضا…

السابق
المعتوه وظلّه
التالي
بحجم السراب

اترك تعليقاً