القصة القصيرة

إدريس ربيع عربى

أمواج عاتية تتلاطم في هذا الشتاء القارص وتنكسر على صخور الشاطئ المقابل، تنتهي بزبد ابيض متلاش ومتداخل مع زرقة مياه الموج العاتي القادم كذلك والمتكرر.
ومن بين تلك الأمواج ظهرت بقايا أخشاب لقارب متحطم في موقع مجهول من محيط البحر الغاضب بقايا أشلاء لبحارة غرقى، وآواني خفيفة وقوارير متناثرة هنا وهناك، ومن بين الصخور يئن طفلُ رضيع بين ذراعي أمه المرتمية تنتظر بشغف شيئا اقرب إلى الموت… يقترب منها صوت الأمل صوت أذان الفجر فتتسرب ابتسامة خافتة تمدها بطاقة جديدة لتتحرك زاحفة ململمة أشلائها من على حافة الهلاك إلى الطوق المأمول.. تكتم ألامها وتتجاهل خدوشها و تتثاقل خطواتها لتسقط هنا وهناك قبل أن تلمح الرصيف وتشاهد معالم المدينة ومبانيها المتلاصقة لحد النكاح.
تزداد قوتها وتتأمل الوصول إلى احد البيوت فتصل وتقرع النوافذ قبل الأبواب ،فيتهادى إلى مسامعها صوت احدهم يتسلل بالأنين
من الطارق؟
فتجيب بكتم الأنفاس متزامنة مع أنين الألم وضجيجاً من صراخ الطفل الجائع: أنا
فيعيد القاطن من تكونين.؟ ومن أنت؟
فتسلم أمرها للموت قبل أن تتكلم، وليكمل الطفل الحوار بصرخة متقطعة بائسة. يُفتح الباب ليخرج شخصا متذمرا من توقيت القدوم، فيجد الموت والحياة..
أُمُ ولجت الموت وطفل ولج الحياة
تذمر من المعاناة التي ستنتج من القادمين
همُ كبير اعتراه، وتبدد سبابا وشتائم للدنيا ولكل شيء حتى الجلالة
فأرعدت السماء غضبا واهتزت المدينة من جراء زلزال عظيم حطم بيوتا هنا وهناك وانتشر الصراخ والعويل ممتزجا بصفارات الإنذار وأصوات مركبات الإسعاف، التي هرعت لعين المكان لتجد القاطنين وقد ارتبكوا وتبعثروا في كل مكان فمنهم من مات ومنهم من أصيب ومنهم من احتجز ما بين حطام البيوت فازدادت المأساة تعقيدا. تراجع القاطن عن قراره بانتشاله جثتي الأم والطفل الرضيع لخطب جلل لان طفله الرضيع قد هلك هو الأخر بفعل الزلزال
وفر على نفسه مشقة الغسل والدفن،فجرجر جثة الأم المجهولة إلى ثغرة نتجت في احد البيوت المجاورة من جراء كارثة الزلزال. وعاد إلى طفله الشرعي المتوفى ،فحمله ووضعه بين ذراعي الأم الميتة. ليضمن راحة باله فلن يقيم مراسم جنازة لابنه الرضيع فلقد قرر أن يربى الطفل البديل فأعطاه اسم طفله المتوفى
“إدريس”

السابق
علبة الرسائل
التالي
قصاصة

3 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. موسى مليح موسى مليح قال:

    هيمن على النص أسلوب الوصف ..وأسلوب الوصف تقنية تخص الخطاب السردي النهري (الرواية)وقد أبان النص على قدرة تخييلية فائقة لدى مبدعه..
    أما دلاليا فكل القوى الفاعلة في النص عبارة عن رموز ..ومن وظيفة الرمز في الشعر توليد عددا لانهائيا من الدلالات ،ليجد كل قارئ ضالته في دلالة معينة شريطة أن لايوجهها الكاتب ..
    للنص قوة إيحائية هادفة قابل لتحويله إلى نوفيلا ،رواية قصيرة جدا ..تحية وتقدير

اترك تعليقاً