القصة القصيرة

إلى الأموات الأحياء…شكوى

تلبدت خواطرها، اضطربت واهتزت مشاعرها، أحست برغبة شديدة للبوح، للصياح، استمطرت الدموع، هرعت تتعثر في أذيال ثوبها الفضفاض، تناولت العلبة الخضراء، رمقت الوسام الجاف بنظرة أجف، فتحت المكتبة الصغيرة، تأملت ألوانا حمراء وخضراء على صفحة بيضاء…
كل شيء جاف!! الطبيعة، العقول، القلوب، البشر!! تضاعف ارتباكها، وازدادت نبضات قلبها، اختنقت وضاق صدرها، صاحت بملء جوارحها:
” خذوني، خذوني إلى المقبرة، إلى قبر والدي، جزاكم الله خيرا، يا رحماء..ارحموني، ولو مرة، ماذنبي؟..
هب من في الدار، والتف الناس بها، مستغربين، شردت نظراتهم، تبادلوا عبارات الحيرة والأسى، قالوا جميعا: ” عليها السلام، جنت، يا لزينب المسكينة!..صاحت منهارة:
انقلوني إلى المقبرة، دلوني على قبره، وقولوا ما حلا لكم،..”
تحمس أحد الحاضرين، قال لها في لهجة حزينة: حضري نفسك، سأحضر السيارة، وخرج يعدو..قامت مسرعة، فتحت الدولاب العتيق، تجلببت الأسود، لفت رأسها في خمار أشد سوادا، صدفة لمحت هيئتها على مرآة، اقشعرت، لأول مرةتبصر قبح السواد، إنه حزن، وشؤم لمن يرتديه، لكن هذا لا يهمها، قد تساوى عندها البياض والسواد، النحس والسعد..سرح خيالها إلى الماضي، قالت في أعماقها: ” لو كان أبي على قيد الحياة ما ارتديت الأسود، وما ضاقت دنايا هكذا، وكنت الآن عروسا،..”.تبادرت إليها صورتها في هيئة عروس، في يوم العمر؛ ثياب ناصعة البياض، تكللها جواهر وأساور ثمينه، ألوان زاهية تحيط بها، تغمرها بسعادة لا حدود لها..أبوها يقود يمناها، خطيبها من يسراها، تتهادى في حياء، يزيدها رونقا وعظمة، تبتسم، تحلم،..يربت والدها على كتفها برفق، يهمس في أذنها: ” زينب..ابنتي العزيزة، هنيئا لك، كوني المرأة المثالية، قومي بواجباتك، إياك والاهمال، حافظي على أسرتك، واحرصي عليها كل الحرص..” يقبل جبينها، تقترب من موكب السيارات، تتعالى الزغاريد، تمتزج بالموسيقى، وأنغام الطبول، وأزيز السيارات، وهتاف الأطفال..ما أسعدها!!..تبتسم..تبتسم أكثر، تحلم،.. وعاد سعيد، زينب هيا..، تلاشى الحلم..ألقت نظرة على المرآة، هالها الهيكل الأسود، وقد استحال واقعا أليما، مسحت دموعا تسيح بحرارة، انتعلت حذاءها، خرجت تجر قدميها جرا بطيئا..
توقفت السيارة أمام المقبرة الوادعة، وقد ترامت غيوم في السماء؛ الخشوع يفرض نفسه، الأبواب الخضراء انتصبت كحراس، السواد يغمر الوجوه الشاحبة، كل شيء يوحي بالموت، القبور ربضت على ساكنيها، خوف شديد يسري في كيانها..توقف سعيد أمام قبر، كادت آثاره تتلاشى، نظر إليها في حزن عميق، كأنه يواسيها، قال لها بصوت هادئ:
هذا هو قبر عمي الحاج- رحمه الله – إنه لم يجصص بعد.
وقفت تتأمله ذاهلة، وهي لا تصدق، لأول مرة ترى قبرا..تمالكت أنفاسها، تلت فاتحة الكتاب، ترحمت عليه..جاشت، وارتمت على القبر، تحضن التراب في شوق:” أبتاه بقيت وحيدة بعد رحيلك ، لا ولي لي، ولا أنيس في هذا الوجود يرعاني وحرمتي..عذبوني، أهملوني، قذفوا بي إلى هاوية النسيان..”، علا نواحها، تردد صداه..سعيد رقت مشاعره، لم يحتمل المشهد، تسلل، ووقف خارج الباب ينتظرها، بينما واصلت تقول: ” ضيعوني يا أبت..، لم يتركوا للدار حرمة، بددوا أموالك، نهشوا أملاكك، شقاء عمرك ذهب هباء..الظلم يرتع في كل مكان، وما أتعس الضحايا!!..ليتكم يا ساكني القبور…” لم تكمل، ارتعد جسدها، أحست برعد يدوي الأرجاء، بعنف شديد، كأنما القبور تزحزحت،وانشق التراب، انفتحت التوابيت، انتصبت قامات يسربلها البياض الناصع، أنوار ساطعة، تنير المقبرة، وجوه نورانيه تبتسم، رجال يقفون في شموخ، يهللون ، يكبرون، ويسبحون، صوت تسلل إلى أذنيها مدويا، يقول:
” كل شيء فان، الخلود للرحمن، الويل لكم، الويل لكم، يا من خنتم العهود والأمانات، وغرتكم الشهوات والملذات..” تكرر الصوت، ترددت أصداؤه..ثم أخذ يخف ويخف حتى تلاشى وتوارى في نغمة التهليل والتكبير والتسبيح..
نسيت زينب نفسها، راحت تهلل وتكبر بكل قواها، كانت نبضات قلبها تهدأ، وروحها الثائرة تستكين وتلين..أفاقت على وحدتها، فلم تجد أثرا لما رأته قبل لحظات..لكنها أحست بالطمأنينة تملأ قلبها، والسكينة تعود إليها، وقد اقتنعت كل الاقتناع بما سمعت ورأت.
استغفرت، تلت آيات من الذكر الحكيم، غادرت المقبرة ونظراتها شاردة إلى العالم الآخر، تبحث عن الأطياف النورانية التي سلبت فؤادها، وانتزعت كل الشوائب التي سيطرت عليها ونغصت حياتها، إنها ولدت من جديد، لم تعد تهمها مشاكل الحياة والأحياء، ..المهم عندها أن تستقر هذه الطمأنينة في عقلها وقلبها حتى تصمد وتقاوم.
استغرب سعيد أمر زينب..طأطأ رأسه، يجول بخاطره في عوالم شتى!!؟..

السابق
الخطأ
التالي
أزرار المنية

اترك تعليقاً