القصة القصيرة

إنتحاري في الطريق

  • إطمئن سيدي سأنفجر في الوقت المناسب فقط إرسل المال الذي وعدتني به الى أمي فهي بأمس الحاجة إليه لتعيل به أسرتنا الفقيرة.
  • و أخيرا جاءت فرصتك ، ستجد حور العين في إنتظارك. قال أمير الجماعة مبتسما…
  • إطمئن سيدي سأنفجر في الوقت المناسب فقط إرسل المال الذي وعدتني به الى أمي فهي بأمس الحاجة إليه لتعيل به أسرتنا الفقيرة.
  • أكيد أخي، أمك هي أمنا جميعا ، إنطلق على بركة الله ، الإخوة في إنتظارك لينقلوك الى المكان الذي سترتقي فيه روحك الى السماء لتلتقي مع شهداء هذا الزمن و شهداء كل العصور بلغهم تحياتي و إخبرهم بأن الأمير سيلتحق بهم قريبا . غادر المكان رفقة الوفد المرافق له و الحزام الناسف مثبت بطريقة جعلته يجد صعوبة في التنفس ، لم يعد يعنيه الأمر ، قريبا سوف لن يكون بحاجة الى الهواء ، سيتحول الى روح طيبة تصعد الى الجنة الموعودة . بمجرد ما وصل ودعه رفقاءه على أمل اللقاء به قريبا في الفردوس واحد منهم فقط أوصاه بعدم الإرتباك في اللحظة الحاسمة و التفكير فيما ينتظره هناك ، عالم آخر حيث الخلود و الراحة الأبدية. السوق الأسبوعي هو المكان المستهدف ، الجماعة تبحث عن صدى كبير ، لابد من تركيع النظام هذا هو الهدف الأساسي ، أخذ يمشي وسط الناس ، لا يرى في ملامحهم أي نظام ، رجال ، نساء أطفال هناك من تعلو وجوههم الإبتسامة و آخرون تسكنهم الهموم سيبعثون على نياتهم هذا ما يقوله الأمير دائما ، و أوصاه بأن لا يضعف في لحظة التنفيذ ، هؤلاء مجرد بيادق مختلفة يستعملها الطاغوت . كان الجو حار جدا ، إقترب من بائع العصير و طلب كوبا منعشا سيكون له موعد مع حور العين قريبا و لكن هذا لا يمنعه بأن يحصل على آخر نصيب له من هذه الدنيا الفانية . أول مرة يحس بأنه غريب عن هذا السوق ، أمضى فيه كل سنوات طفولته و شبابه ، سرقة التجار كانت هوايته المفضلة ، و لما كبر أصبح له طاولة في ركن منه ، يسرق من خلالها الناس بطريقة شبه شرعية ، اليوم ستكون آخر جولة له بين أزقته ، ستصعد روحه الى السماء و يلتقي بصديقه الذي نفذ عملية مماثلة أمام مدرسة أخيرا جاءته فرصة الشهادة ، كل أصدقاءه رحلوا قبله ، أكيد هم الآن يتنعمون في الفردوس الأعلى ، و هو ما زال في هذه الدنيا التي لم تعطيه أي شيء ، ضياع تام و فقر و متاعب ، أن يموت شهيدا أفضل بكثير من العيش في الذل و مهانة . عليه أن يتواجد بين أكبر عدد من الناس حتى تكون الحصيلة كبيرة أخذ يطوف بنظراته في المكان باحثا عن تجمع بشري مغري ، في الطرف الآخر من السوق أثار إنتباهه كثرة المتسوقين ، يبحثون عن الأسعار المتدنية ليتمكنوا من الشراء ، غلاء المعيشة هاجسهم الدائم
    و أخيرا سوف يريحهم نهائيا من هذه المتاعب ، إذا إنفجر في وسطهم سيرحلون معه الى العالم الآخر و يتخلصون من هموم الدنيا يختلف عنهم بأنه يعرف ما ينتظره من نعيم هناك ، أما هؤلاء فسوف يبعثون على نياتهم كما قال الأمير . لكي يصل الى المكان الذي قرر أن يفجر فيه نفسه عليه أن يقطع الطريق ليتحول الى آخر مربع في السوق ، بدأ يحس بنسمات من السعادة تغمره ، ما أروع طريق الشهادة ، و فيما كان يسارع الخطى فجأة خرجت سيارة محملة بالبضائع مسرعة ، صدمته في لمح البصر و غادر صاحبها مخافة من إنتقام الناس ، إجتمع الجميع حوله يحاولون إسعافه ، و لكنه كان مغمى عليه و الدماء تنزف من فمه و جسمه . في اليوم الموالي ، ما زال يفكر في الفردوس الموعود و لكن ليست لديه القدرة على تحريك جسمه ، فتح عيناه على الجهة اليسرى وجد أمامه مباشرة ممرضة فائقة الجمال ، أدرك بأنه حقق مبتغاه و إبتسم لها معتبرا أياها واحدة من حور العين ، نظر الى الجانب الأيمن ليرى المزيد و تفاجأ برجل قوي البنية مفتول العضلات يرمقه بنظرات مفزعة ، تساءل في أعماق نفسه عن هوية هذا الرجل وجوده هنا يتعارض مع أحلامه الجميلة . غادرت الممرضة المكان و إقترب منه الضابط أكثر… – هل هناك عمليات إنتحارية أخرى سيقوم بها زملاؤك في المدينة ؟ تأمل الرجل مليا و أدرك بأنه ما زال في هذه الدنيا البائسة.. – لقد وقع لك حادث قبل أن تفجر نفسك و الحمد لله ربنا حفظ الناس من شرورك ، جاوبني بسرعة هل هناك عمليات أخرى لك علم بها؟
    حاول أن يقدم إجابة مقنعة و لكنه لم يجد لديه القدرة على التكلم لا يستطيع أن يحرك يده لينفي علمه بعمليات أخرى ، لم يجد يده في الخدمة ، فقد يده و رجلاه في حادث السيارة ، أراد أن يرحل الى السماء و يأخذ معه عشرات الأرواح ، و في الأخير وجد نفسه ما زال في الدنيا بنصف جسد و شبه ميت و لم يرحل أحد من الناس ، عادوا جميعهم الى أعمالهم و حياتهم ، أغمض عيناه و سافر بعيدا عن المكان لم يعد بإمكانه سوى أن يحلم بحور العين و العوالم الجميلة التي ضاعت منه.
السابق
راح في الغمام
التالي
مرآة الغيوم

اترك تعليقاً