القصة القصيرة جدا

إنهم يزفوننا

بخفة النسيم ضمخه الزعتر يتهادى:
يسعد لي صباحك يا وطن
ما كان له دفعها عكس الاتجاه وما تأتى له، فقد كان همه أن يتوزعه المدى الذي حولها ليبعد عنها صهد الشمس فيثلجها بظله،
تلتفت مستعيرة لحظة من زمن جميل مثل خاشعة:
– شامخ أنت أيها السحاب الناصع، هادئ كالراهب في طقوس تعبد أبدي
تحدث نفسها لكن كما الصوت الملائكي رغما عنها يلبس الملكوت:
– يا نسيم الصبا سلم لي ع الحبايب
الفصل بواح والأقاح فواح والورد كل الورد في رقصة عفوية كما البدايات وهو الذي يريد ولا يريد، ففي الفعل جبروت وتملك والشوق ينأى أن يجرح عبير الزهور، فهل يمكنه الانتشاء بخمرة الورد:
.. لا كدرا يشوب.. كالياسمين نقاوة وعبيرا… وشممت نفحة السهر الذي في الروض(*)
وبعض التشذي تعبد ونقاء، والروح توهجت وتسامت حيث التمايه سنة والعتق توحد واشتهاء،
أيها القادم من نوار اللوز يهدهده الحنين، التوحد في مذهب الورود تصوف وتيمم واشتياق.. لملم عصارة جرحك آهة فللصباحات صبابة ولك ترياق… ما عاد يجديك أن تولي وجهك شطرهن وردات نرجس همهن إشراق… هبهن وهبنك ضمة ليس بعدها انعتاق.. أتكون قد تحررت؟، قالت لك مرة:
– الحرية ما تريده أنت.
وبخفة النسيم كانت تشق لها طريقا في حقلك، وكنت أسلفت لها وعدا بأن تزرع لها من كل نوع ولون، وعلى عجل لم تسألها عن سببه أسرعت إلى النرجس بدءاً وأسرعت بدورك إلى جمع ما تفتح منه، وكنت عمدت خلال الغرس إلى قسم البصلة إلى نصفين وراح كل نصف يلتئم عن جرحه معيدا التشكل إلى الأصل الأول،
وكانت تثبت الوشاح على كتفها لما زدتها أخرى من شقائق النعمان التي جمعت بذورها الموسم الفارط، وانتقيتها ألوانا وأصنافا، الطويلة معا والقصيرة معا وتلك بلونها القاني وأخرى فاقع والأخرى بنفسجي قاتم، استدارت كما الحياة فخلتها تقصد تلك الأكمام التي أسدلت أزهارها ملكة تجرجر ثوبها،
– سوسن أبيض!
– وبنفسجي وفاحم السواد.
– ذلك الناصع كثوب زفاف ملكي.
أشارت ثم تهادت إلى حيث السوسن الأبيض وكأنك بها لا تطأ الأرض بل تتهادى خفيفة كما الفراش:
– البياض يمحو السيئات.
– كل شيء يزول إلا البياض.
– ليس دائما يا عاشق الأزهار.. ليس دائما.
أحسك اليوم تستسلم لأفكارها، تعدها مسلمات، الطيبة لا يصدر منها إلا العبير، هكذا علمتك الأزهار
حضنت الزهور ونظرتها تقول دون تصريح إنه يتوجب عليك حمل الباقي.
تسرع الخطو أو اللست تدري ماذا تسميه، لم يك مشيا ولا هرولة، خفة ورشاقة كما الفراش والغزال في آن، المساحة الخضراء تحجم عن التقدم تجاه الجوع، وتتوغل وتعاني من تضييق على كتفيك لتتبعها إلى حيث تنتهي الجموع بصف مستقيم، تتجاوز الصف وتتقدم إلى كتلة مقابلة أسفلها سوادا وأعلاها سوادا، زهرة لهذا والأخرى والآخر.. وراحت الأسلحة ترتخي ثم تنحني ثم تذوب نحو الإسفلت، من أعلى البنايات البيضاء اخترقكما الأزيز معا، زحفت إليك وزحفت نحوها، لم تكن تشعر بشيء بعد وخزة في الصدر، راحت شقائق النعمان تلبس النرجس والسوسن حمرتها وحمرتكما، شبكتما يديكما معا وارتفعتما عاليا في الهواء، كنتما تطوفان فوق الجموع والصياح يتعالى من الحناجر والقلوب:
– يا شهيدا… يا شهيدة… كلنا شهيد.
قالت: هي الحرية يا حبيبي، إنّهم يزفوننا الآن إلى الحرية.
تساءلت أنت: هل الحرية أن أكون شهيدا؟

السابق
أخلاق
التالي
أم

اترك تعليقاً