القصة القصيرة

ابن الفران

استيقظ في منتصف الليل تماما، لم أعد بحاجة للكزات أمي الخفيفة التي كانت تداهمني بها كل ليلة لأصحو وأذهب مع أبي إلى عمله، يبدو أن ساعتي البيولوجية قد ضبطت على هذا التوقيت، جدتي نفيسة تكون نائمة في ركنها المعتاد وبجوارها راديو صغير مفتوح دائما على إذاعة القرآن الكريم، ستستفيق من نومها بعد قليل وتبدأ في صلواتها وتستمر في قراءة الأوراد وصلاة الركعات حتى يؤذن بميلاد فجر جديد.
أجري من فوري إلى حمام بيتنا أسفل السلم تماما، اقضي حاجتي، ثم أسرع ناحية الزير وارتشف كوبا كبيرا من مائه المثلج، صوت البابور الجاز الذي أشعلته أمي، ووضعت فوقه كنكة الشاي، يقتل صمت بيتنا ويصنع مع صوت المذياع جوا من البهجة صرت أعشقه وأدمنه، وتكتمل سعادتي برؤيتي أبي جالسا على طبليتنا يتناول وجبة خفيفة من الجبن والخبز وبعضا من الفول المدمس، أعدتها لنا أمي، فأنا دائما اشاركه بشهية تلك الوجبة الليلية الدائمة، ثم نجلس أنا وهو وأمي لحظات نرتشف فيها معا شاي أمي اللذيذ مع رائحة النعناع المنعشة، ثم نذهب أنا وأبي من فورنا إلى عملنا.
أبي يعمل فرانا في مخبز للعيش البلدي، لا لا تتخيلوا أن أبي كان يريد أن يورثني صنعته، أو أن ذهابي معه يوميا كان بناء على رغبته، أبي كان يدعو الله ليل نهار أن يجنبني ذلك المصير المؤلم، مهنة أبي كانت شاقة جدا، يقف أمام بيت النار أكثر من ست ساعات، صيفا وشتاء، يسيل العرق الغزير من جسده، سيجارته لا تفارقه طيلة عمله، لست أدري لماذا؟ ربما كانت وسيلته للصبر على عمله الشاق، ولتحمل إهانات صاحب المخبز له، كان الحاج سيد صاحب المخبز ذلك الرجل الضخم الجثة، البادية على وجهه وجسمه علامات النعمة والثراء، فظا قاسيا غليظ القلب، كثيرا ما سمعته يعنف أبي ويهينه ويذله، لو خرج الخبز من سير العيش على غير ما يريد، وأبي صامت دائما أبدا، لا يحرك ساكنا تجاه تلك الإهانات، يكتفي بنفث دخان سيجارته ويواصل عمله، نقمت على أبي صمته وعدم رده، نعم كان الحاج سيد رجلا ضخما يفوق حجم أبي مرتين على الأقل، ونعم هو ذو مال ونفوذ وعائلة قوية، ولكن على الاقل كان على أبي أن يترك مخبز ذلك الرجل القاسي، أنا على يقين أن أبي ليس جبانا وأعلم أنه يصمت من أجلي أنا وأمي وجدتي، من أجل طعامنا، صنعة أبي لم تكن نادرة، بل هناك عشرات ممن يجيدونها يتلطعون على المقاهي منتظرين فرصة لاقتناصها، أبي يعلم ذلك، ولذلك يؤثر الصمت، المخابز لا تعرف الأجازات الأسبوعية، فذلك ترف لا يعرفه عمال المخابز وأبي منهم، حتى المرض لا يمنعه من الذهاب إلى المخبز، لو غاب فلا عودة سيحل غيره من أولئك العاطلين محله، ويفقد هو مكانه، أبي يعرف ذلك ولذلك يصمت.
قلت لكم أن أبي كان لا يريدني أن أرث صنعته، وأن ذهابي معه كان على غير إرادته، ولعلكم تتساءلون لماذا؟
أقول لكم:
…في أكثر من مرة رفض فيها أبي ذهابي إلى المخبز، وفوجئ بي فوق رأسه هناك، وعاقبني بالضرب أكثر من مرة وما ارتدعت، كان الطريق من بيتنا إلى المخبز طويلا مليئا بالمخاطر، بداية من الكلاب الضالة في الشوارع المظلمة والسيارات والموتسيكلات الطائشة وليس نهاية بالشباب الضائعين من اللصوص والمدمنين المتلطعين في الشوارع منتهزين ظلامها للقيام بكل الموبقات والآثام، خاف أبي علي واضطر مجبرا أن يأخذني معه إلى حيث لا يريد.
كثيرا ما تدور المناوشات بين عمال المخابز، الكل يتهم الكل بأنه سبب فساد العجين أو تقصير الخميرة، صراع أبدي بين الجميع من أجل لقمة العيش، الكل يريد أن يثبت لصاحب المخبز أنه الحريص على حسن سير العمل وعلى مصلحة المخبز، أبي الوحيد الذي كان يبدو صامتا أبدا لا يحدث غير سيجارته يبثها أحزانه.
أصبح حلمي أن أدخن مثل أبي، عشقت منظر السيجارة بين شفتيه، أبي لم يكن يترك في سيجارته أنفاس، كنت أبحث عن سجائر الحاج سيد صاحب المخبز، الذي كان يلقي بنصفها تقريبا، انزوي بها في ركن وأدخنها بعيدا عن الأعين، حتى ضبطني أبي متلبسا بجرمي المشهود وكانت علقة قاسية، تبعها قرار من أبي بالتوقف عن التدخين، سمعته يسب نفسه أمامي ويتهمها أنها سبب تعلقي بتلك العادة السيئة، مزق المسكين علبه سجائره أمامي وتذلل لي ألا أفعل ذلك ثانية، التزم بقراره فترة لكن ضغوط الحياة أجبرته على النكوص وعاد إلى سيجارته يبثها همومه، أنا ايضا لم انقطع عن عادتي السيئة تلك ولكنني أصبحت أكثر حرصا ألا أضبط.
حفظت كل مفردات صنعة أبي وفنونها، كنت أشارك أبي أحيانا في رمي الأرغفة في بيت النار، أسمع كثيرا عبارات توجه لأبي، لم يدك يا أبا هيثم، افرد يدك يا أبا هيثم، فذلك عميل يحب العيش مفرودا وآخر يريده منفوخا(قابب) وعرفت معاني عبارة العجينة ريحت والخميرة قصرت وأشياء أخرى كثيرة، أحببت مهنة أبي الصعبة، وتعلقت بها، لكن أبي كان مصمما على تغيير اتجاهي، كنت أعود من المخبز معه، ويصر أبي أن أذهب إلى المدرسة، أنا في الصف الرابع الابتدائي، أعود من المدرسة، ويكون أبي لم يعد من عمله الآخر، نعم كان لأبي عمل آخر على عربة يد يبيع عليها الخضروات، لتساعده على أعباء الحياة، يعود بها في مغرب كل يوم إلى بيتنا نتناول العشاء وننام، ثم نستيقظ ليوم آخر لا يختلف عن الذي قبله، هكذا كان روتين حياتنا، يتغير بالنسبة لي أنا يوم الجمعة فقط، كنت بعد أن أعود من المخبز اقضي بقية يوم الجمعة هذا في اللعب مع أصحابي، كم كنت أحب يوم الجمعة، أحببت أيضا يوم الخميس ففيه نأكل اللحم والطبيخ، أعود من المدرسة فنذهب أنا وأمي إلى إلى المعلم أبي سميحة الجزار، كم كرهت هذا الرجل أيضا، كان يعامل أمي بقسوة وتعال شديدين، وهي تطلب منه أن يزن لها نصف كيلو من اللحم، وكم سمعته أكثر من مرة يقول لها:
…لا تقرفينا يا ست نحن لا نبيع أنصاف الكيلوات، ليس معك ثمن كيلو فلا تأتي إلينا
وتتذلل له أمي حتى يعطيها نصف كيلو من اللحم، رأيته كيف يعامل جارتنا اللعوب أنصاف، ويعطيها ما تريد، بل ويعطيها قطعة كبيرة من الكبد مجانا وهو يقول لها:
…أحلى قطعة كبد للغالي حمادة
واتعجب كل العجب من معاملته الطيبة لإنصاف رغم أنها كانت أكثر فقرا منا.
كانت تكاليف يوم الخميس تمثل ثقلا كبيرا على عاتق أبي، كثيرا ما سمعته يسأل أمي في ليالي الأربعاء:
…كم تحتاجين على ما معك لمصاريف الخميس
فتقول له أمي مثلا:
…عشرون جنيها
فيقول لها مطمئنا:
…بكرة تفرج إن شاء الله، ولن أشتري غير نصف علبة سجائر فقط
كنت أحب الخميس وأكره ثقل مصاريفه على عاتق أبي، فليست مصاريف الخميس هي ثمن اللحم والطبيخ، علاج جدتي نفيسة أيضا، كان يقضم ظهر أبي في يوم الخميس، كانت جدتي تعاني من الضغط والسكر وأمراض مزمنة كثيرة.
في آخر خميس وما زال ينقص أمي ثلاثين حنيها لنعدي هذا اليوم بخيره وشره، كان أبي قلقا وهو في المخبز، كان أهم شيء عنده علاج جدتي وبعد ذلك فليكن ما يكون، لكننا في هذا الخميس لم نشتر علاجا لجدتي، واشترينا كيلو كامل من اللحم، لا لا تأخذكم الظنون وتتوهموا أننا استخسرنا ثم العلاج لجدتي وأنفقناه على معداتنا، فلا جدتي ولا نحن أكلنا من ذلك اللحم في تلك الليلة، فقد ماتت جدتي في ذلك اليوم، وجئنا باللحم لعشاء هذين الشيخين اللذين أحييا ليلة مأتمها الوحيدة.
هل تصدقونني لو قلت لكم أن أبي أكمل عمله في المخبز حتى آخر رغيف، قبل أن يذهب ليقوم بواجبه تجاه أمه، توقف فقط عن عمله على عربة اليد التي يملك إرادته فيها، ووقف لتلقي العزاء في أمه، ونام كل يوم كما ينام، واستيقظنا أنا وهو في منتصف الليل تماما وذهبنا إلى المخبز.
لا لم يكن أبي جاحدا لأمه أو ناكرا لجميلها لكنه كان فقيرا.
كان أبي رجلا عزيز النفس، علمت ذلك لما أرسلني ذات ليلة أربعاء ايضا، عند الحاج عبده البقال لأشتري له على الحساب باكوا من الشاي وكيلو سكر، فنهرني الحاج عبده ورفض أن يعطيني شيئا، وقال لي:
…اذهب لأبيك وقل له أن يدفع ما عليه قبل أن يطلب شيئا آخرا
عدت لأبي وأخبرته بما قاله المعلم عبده لي، فوجدت في عيني أبي دموعا لم أرها من قبل، سرعان ما مسحها بيديه، وسمعته يقول لأمي:
…هاتي مصاريف بكرة كلها
لم تناقشه أمي وذهبت لغرفتها واحضرت النقود، وأعطاني أبي النقود وقال لي:
…أذهب لعمك الحاج عبده البقال، واعطه حسابه وهات لنا شاي وسكر وقطعة من الجبن، ألا ينفع الخميس من غير لحم؟ والله لناكل جبن ولا يحرجك الحاج عبده.
ذهبت ونفذت أوامر ابي، وعدت له بالطلبات وببقية من قروش قليلة فاضت، أعطاها أبي لأمي، التي سمعتها تقول:
… الجبن نفطر به غدا، أما العشاء فلا تعولا له هما، سنأكل زفر، افضل من اللحم، ساذبح لكما بطة أربيها فوق السطح.
وضحكنا من السعادة وشربنا الشاي ونمنا هانئين.
وهكذا سارت بنا الحياة، أيام قليلة سعيدة، وكثيرات منها شديدة عنيدة، تناطحنا ونناطحها، نكسرها مرة وتكسرنا مرات ومرات، حتى سقط أبي صريعا لمرض لم يمهله إلا أياما قليلة، ورحل إلى بارئه، وانقطعت عن المدرسة، ورغما عني صرت في الطريق الذي حاول أبي أن يبعدني عنه وصرت فرانا صغيرا وانا في الثانية عشرة من عمري، السيجارة لا تفارق يدي، أيضا ورثت عربة أبي اليد ومهنته في بيع الخضروات، كان ممكن أن أستمر طويلا في هذا الطريق، لولا أنني كل يوم كنت أعود لبيتنا فأجد أمي باكية نائحة، على سجادة صلاتها تدعو الله أن أتوقف عن ذلك العمل وامتنع عن تدخين السجائر، كنت لا أبالي بدموعها ولا أكترث لها، حتى شاهدت في إحدى لحظات توهاني بين النوم واليقظة، أبي وهو يبكي ويمزق علبة سجائره أمامي، ويقسم أنه لن يدخنها ثانية من أجلي، رغم أن أبي لم يلتزم بقراره، إلا أن دموعه، انتزعتني انتزاعا من غرقي في هذا الطريق الذي كان يكرهه أبي، وعدت لمدرستي تلميذا نجيبا، ووقفت أمي على عربة أبي أمام بيتنا نبيع أنا وهي الخضروات، وتعاطف معنا أهل شارعنا والشوارع التي تجاورنا، والحمد لله لم يعد يوم الخميس يزعجنا، والعب يوم الجمعة مع أقراني، وأذاكر دروسي، وأنام على صوت مذياع جدتي، وأصحو على صوت وابور أمي.

السابق
قهر
التالي
أجداث

اترك تعليقاً