القصة القصيرة

ابن عيلة

تعطّرت الحقول وازّينت بالزّهور، وابن عيلة ينبش أرضيّة خُصّه العطنة، يبحث عن رباط حذائه المفقود منذ زمن بعيد.. العمدة الذي اشترى الحذاء ليساوى حذاء ابنه البكر الّذي مات في ممرّ متلا بعد ما اكتشف أفاعيل الآلةِ الإعلامية الجبّارة الّتى حوّلتِ الهزيمة إلى نكسة!!
ومن قبلها يتذكّر الزيارة التّاريخيّة للرّئيس الرّاحل جمال عبد الناصر إلى المحافظة..
منذ ذلك التّاريخ وابن عيلة قد ورث عن أبيه خاصيّة الكلام الآخّاذ، حتّى في سن الخامسة والسبعين..
وقت العصاري تدور عربة ابن السّرساوي الفورد موديل 45 على كلّ قرى ومزارع المركز، وكان يجلس بجواره في المقعد الأمامىّ مخلص بن شبل.. ممسكاً بيده (مايك) متّصل به بوق ضخم مربوط على شبكة السّيارة، والصوت يجلجل.. بعد غد زيارة زعيم الأمّة و(ضيوفه) إلى بيت ولد السّادات.
حينها اتخذ شباب القرية والقرى المجاورة خُصّ “ابن عيلة” مركز تجمع داخله وفيما حوله، وقرّروا أن يوقفوا الرّكب الرئاسي أثناء مروره، واظهار كرم الضّيافة وحمل سيارة الزّعيم بضيوفه، ورفعها عن الأرض، ولو قيد شبر ؛ أمام الخُص قبل أن يدخل زمام القرية.
يضحك ابن عيلة.. أنا أصبحت ذا شأنٍ بين شباب القرية.. مرض (العصاب) لا يمنعنى من المشاركة في مراسم الإحتفال، ولو برفع الشّال الذي ورثته عن والدتى.. تلك العلامة المميزة والماركة المسجلة الموقوفة عليها في الجبيهة كلها..
يكفينى شرفاً أنّهم أسر منوا لي، والخُصّ الوضيع إعتباراً من يوم غد يغدو حديث العالم، و يدخل ابن (الداية) التّاريخ بمشاركته الإحتفال الأوّل لمنظمة دول عدم الإنحياز.. القوى العالميّة الثّالثة في صراع السّيطرة على مُقدَّرات الدّول عندما تسلط عليه كاميرات التلفاز.
جاء بعد الغد مع زقزقة العصافير، والشّمس تتسلّل ببطء من خلف الشجر.. تبعث بأشعتها البنفسجيّة.. تطهر وزر القلوب وتثبيتها على الفطرة السليمة، وابن عيلة لم يُغمض له جفن طوال اللّيل.. يتخير له موضعا يكون فيه في بؤرة العدسة التلفزيونية.. من بعد ما ينطلق من الجانب المعاكس بعد مرور رجال الدّراجات الهوائيّة أمام سيّارة الرّئاسة قاصدأ خُصّه.
في ذات اللّحظة ينطلق الشّباب المنتشر على الجانبين تجاه سيارة الرئيس وضيوفه ورفعها عن الأرض، بعد فاصلٍ من التّصفيق الحاد والرّقص الفلكلوريّ.
في انطلاق ابن السّرساويّ ومخلّص بن شبل ليأخذ كلّ منهم مكانه من جسم السيارة.. في اندفاعهما اصتدما بابن عيلة.. سقط على ظهره.. ارتطمتْ مؤخّرة رأسه بحذاء ضابط الحراسة الواقف على رفرف السيارة الرئاسية المكشوفة، وعينيه مثبّتة على رباط الحذاء الميري ذي العشرين ثقباً.

السابق
وحدة
التالي
الجِنية

اترك تعليقاً