القصة القصيرة

استمتاع

شعرت بفرحة عارمة و أنا أنظر من نافذة غرفتي بالفندق المطل على ساحة البرلمان ، أتابع مسرحية تعنيف أصحاب الشواهد المتظاهرين بغاية الحصول على وظيفة في القطاع العام. أعتبر نفسي محظوظا ، إذ بعد سنوات من اعتصامنا تحقق لنا المراد. فقد التحقت بالتعليم ، و اخترت أن أكون أستاذ الرياضة . فرحتي مضاعفة بولوج سلك التربية و التعليم و بتعييني أستاذ التربية البدنية. أحمد الله و أشكره ، لم أعد عالة على أبي الذي بدأ يشتكي من ثقل حضوري ، فقد رآني مكلفا ، و أن استثماره ذهب هباء ، بكل صدق ، كان ينتظر مني أن أعينه لا أن أرهقه بي ..أنا الآن بمدينة تاريخية أستمتع بوقتي رغم المطر. و للعلم ، أيها الإخوان _ الظاهر أن خطاب الحلقة مازال يتبعني _ أني أحب المطر ، كما الفلاح ، و أجدني متضامنا معه ، فشرطي الإنساني يدعوني لهذا التضامن ، لا يمكنني الوقوف سلبيا أمام انحباس الماء الرباني ، فبالقدر الذي يؤلمه يؤلمني ؛ لذا أسارع إلى طلب الغيث متى غضبت السماء و أخرجت براثن الحرارة. كنت في كثير من الأحيان ، أجمع التلاميذ ، و أذهب بهم إلى المسجد لطلب الانهمار. و بمجرد الهطول تدب في أوصالي الهمة ، و في قلبي الفرح ، ذلك الفرح العميق الذي يحس به الفلاح و هو يرى أرضه تستقبل الفرج بصدر رحب ، و أرض ملعبي و هي تتحول إلى برك تمنحني فرصة التجوال و اكتشاف جمال بلدي الحبيب.
في أوقات الصفاء كنت لا أستعجل التلاميذ في خلع ملابسهم و ارتداء لباس الرياضة ، فالعجلة من الشيطان ، و دليل تهور و فشل في الحياة ، كنت قد علمتهم، مرة واحدة فقط ، كيف ينزعون الملابس قطعة قطعة بطريقة صحية ، كما ارتداء ألبسة الرياضة ، فالعبرة بالكيف لا بالكم. يقضون ربع ساعة يستمتعون بالعدو إلى أن تنزف أجسادهم عرقا ، ليلتحقوا بمستودع الملابس و قضاء أجمل الأوقات في استرجاع أنفاسهم المتقطعة ، ثم ارتداء ملابسهم ببطء صحي.

أتابع أشواط الكر و الفر بين المعطلين و رجال الشرطة الرافعين عصيهم المتعطشة للبطش.
أتابع انصراف الناس بعد أن ملوا هاته المسرحية الهزلية فاقدة الروح. لا يهتمون بمن سقط مغشيا عليه و لا بمن كسرت أضلاعه أو أرجله. يتابعون رحلة الحياة كما لو كانت الساحة فارغة أو أن ما يرونه عبارة عن شريط سينمائي لا غير. أو أنها فصول لمسرحية عبثية ذات مشاهد كثيرةلا تنتهي ..يتساقط المطر فيختلط بدماء المعتصمين ، ثم ينساب إلى المجاري التي تمحوه. يتوقف المطر و لا تتوقف المطاردة و العنف ، هي حلقة جهنمية..
تحركت ذاكرتي فاسترجعت ذلك العنف الذي تعرضنا له أيام الكلية ، أكلنا من طيبات عنف البوليس ، و حلاوة عصيهم ما شاء لنا القدر ، نصرخ ولا أحد يستجيب لصراخنا ، كان عنفا بلغ حدا من البشاعة لا يوصف ، فقد كان بعض أفراد التسلط يخرجون ذوي الاحتياجات من تحت السيارات ، وقد طنوها مخابئ آمنة ، و ينهالون على الأجساد بالهراوات المباركة بحدة و عنف ، فكنت تسمع تكسر العظام عن بعد. آه ! تلك أيام شؤم لا أعادها الله.

الحمد لله على نعمة العمل فسيح الراحة ، يمكنني من القيام برحلات في ربوع الوطن
مستمتعا ؛ أعوض ما ضاع مني و ما حرمت منه بفعل غياب السيولة. المطر غزير ، و أنا في هاته الغرفة الدافئة أتابع المشاهد ، و زملائي مازالوا في أقسامهم يعطون الدروس ، أحس بغضبهم منا ، هم الآن في لحظة صراخ و غبار و تفاعل يشبه الميزان ، كفة صاعدة و كفة نازلة ، أحس بعيونهم ترمينا بشرر و هم يتابعوننا ، يروننا مستلقين على الكراسي ننعم بالظل ، نتابع التلاميذ و هم يزاولون نشاطهم بحيوية و نشاط ، يكاد يفقد في الفصول الدراسية المملة ، أحس بحسدهم ، و الحسد نار تأكل صاحبها ، و العياذ بالله ، أتصورهم قد صاروا كومة رماد تكاد تذهب بها ريح الغضب. و لكن ، هو اختيارهم ، و على كل واحد أن يتحمل نتيجة اختياراته ، ثم إن المسألة مسألة أرزاق ، فهل هناك من يعترض على إرادة الخالق ؟
سأخبرهم ، لدى عودتي ، أني نزلت إلى المقهى ، شربت عصيرا ، رغم الجو البارد ، و أني قرأت كل الصحف الصادرة ذلك اليوم ، و أني ذهبت إلى ساحة المدينة لأتابع ما تعرضه المنصات من ألوان الغناء و الرقص ، و أني حصلت على توقيع المغنية العالمية ، المثيرة للنقاش و الرغبات ، و أني أخذت معها صورة تذكارية ، و أني تناولت الطعام مع بعض المشاهير من العرب و الغربيين ، و أني.. و أني… لن أفعل ، لا أريد تأجيج نار الحقد في قلوبهم المتيبسة. سأتابع نشاطي متكتما. سأقول : إني زرت الطبيب ، و أني قمت بفحوصات ، فمثل هاته الأخبار تفرحهم .
غدا ، سأتابع رحلتي ، بعد أن أصحح وضعيتي ، و تسريع حصولي على رابيل نجاحي فقد حصلت على الترقية التي يطمح لها كل واحد ، يحلم بها ليل نهار ؛ و لا تأتي إلا لذي حظ عظيم.
سأتابع رحلتي ، ف :
غدا ، يوم جميل. يوم مشرق.

السابق
الناطور
التالي
عن النقد والتدقيق اللغوي

4 تعليقات

أضف تعليقا ←

  1. موسى مليح موسى مليح قال:

    تمركز الحدث حول الأنا والانطلاق من الحاضر إلى الماضي واستغلال موقع جغرافي ومكان واقعي ووقائع وقعت بالفعل كل هذا يحيل على أن النص جزء من سيرة ذاتية أو من مذكرات ..وتؤكد أن الالتقاط الأدبي للحظات تؤسس مأساة المنظومة التعليمية المغربية والعربية عموماوأنهافي صلب الإبداع الأدبي ..أعجبني توظيف صورتين متناقضتين من حياة العاصمة اليوم : موازين الرقص والنبذرة (تفريق المال في غير حقه/لسان العرب )والقمع اليومي لحملة الشهادات والهراوات الموزعة على أجساد ..وتوظيف الحياة المدرسية لأستاذ الرياضة في علاقته بالمطر وهي صورة مناقضة لما هو مألوف في مدارسنا ..
    سننتظر جميعا ذلك اليوم المشرق ..فنتمتع بكرامة في عواصمنا العربية بالألحان وليس بالأشجان ..مودتي

    1. شاعرنا البهي ، السي موسى ، أشكرك على تعليقك القيم ، و رؤيتك العميقة و السديدة ، بعض جوانب النص من سيرتي. و خاصة القمع برحاب الجامعة. الباقي هو تجميع لمشاهد نكبتنا.
      بوركت.
      دمت مشرقا.
      مودتي

  2. خواطر لا تسر الخاطر عن الهراوة والحسد، مشاهد اجتماعية تعيشها بعض مجتمعاتنا العربية، كنت في عمق المأساة يوما، وها أنت ذا الآن تطل عليها من نافذة غرفتك، ركز على أغنية الطبيب والفحوصات فأخبار الترقية ستصيب الكثيرين بالشرود الذهني والأرق.

    1. أخي البهي ، يحيى
      شكرا لك على تعليقك المزن.
      مشكل بعض المعطلين انهم بمجرد التوظيف ينسون متاعب الاخرين.
      فمثلا شخصيتنا الساردة صارت تميل للكسل و الرغبة في الاستمتاع بدل العمل. و لا تقيم وزنا لمعاناة المتظاهرين.
      خوفا من حقد زملائه سيدعي انه كان في زيارة للعاصمة قصد العلاج. لا للحصول على ترقية غير مستحقة.
      مودتي

اترك تعليقاً