القصة القصيرة

الأتـــون

شاءت الأقدار أن يكون هناك ..
فى ذات البقعة من الأرض المقدسة وقت اضطرام النار في رأس جدته العجوز التى ظلت بعاهتها لسنين طويلة ، و ليشاهد بأم عينيه استشهاد والدته عندما اضطرمت النيران بخصرها النحيل ، ثم ما لبثت النيران أن انتشرت في باقى جسدها الضامر كما لو كانت كالهشيم المحتـضـر .
كان هذا الوقت فى بدايات أول حملات المداهمة و التوغل المستمر على الأرض الملآنة بالدهن و أغصان الزيتون المحتضر منذ نصف قرن من الزمان .
تذكر فى ذات اللحظة المحرقة التى مضى على ذكراها أكثر من ثلاثة و ستين عامًا التى جمعت كثيرًا من أبناء عمومته فى أتون واحد فى بلاد الغرب .
كان وقتها طفلًا وليدًا لم يبرح حجر جدته العجوز بعد .. التى كانت ترعاه في الأرض المقدسة لسفر والده آنذاك فى رحلة عمل ببلاد الغرب .
لم يكن حينها مبعدًا كالكثير من أبناء جلدته بهذه البقعة المقدسة من أرض الله ، و أول قبلة لبنى الإنسان ..
فى حينها حُكى له كيف واتت والده الفرصة كى يفر من لهيب نيران تلك المحرقة ببراعة و حنكة تكونت عنده لكونه كان معدودًا على أبناء عمومته المشهود لهم فى التاريخ و الكتب السماوية بالمكر و الخديعة مع التيه .
الآن ، تذّكر حكايات جدته العجوز ، و قص بعض الجيران أيام صباه حول ملابسات فرار والده ، و كيفية النجاة من تلك المحرقة ، و كيف ألقى بنفسه أمام موكب الملكة التى كانت مملكتها لا تغيب عنها الشمس لدرء شرور ممن كانوا يلاحقونه لأنه كان محسوبًا عليهم ، بالرغم من اختلاف عقيدته التى كان يعتنقها .
عندها أمرت الأميرة (إليزابيث)* سائق عربتها الملكية بجذب (لجام) الأحصنة الثمانية التى تجر العربة بقوة شديدة ، و شد عصا الفرملة قبل أن تدهس الفتى المارق الذى تجرأ بالعدو المتسارع أمام موكبها ، و قطع الطريق عليها فى ميدان (بيكاديللى) بلندن .
عندما أشارت بطرف سبابتها تجاه الفتى الذى انبطح على الأرض بكامل جسده النحيل المفرط فى الاصفرار و تساوى مع بلاط الطريق .
كان وقتها والده يناهز الرابعة و الثلاثين من عمره ، و كانت المملكة المتحدة مع الولايات المتحدة الأمريكية فى قمة حسمهما للحرب العالمية الثانية و دحر النازى المتغطرس و حلفائه .
عندها تعلق والده بـ (عريش) العربة الملكية بعدما أفلت من سنابك الخيل التى كادت أن تفتك به و تدهسه و تساويه ببلاط الشارع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ملكة المملكة المتحدة

منذ هذا اليوم و أبناء عمومته يكيدون له ، و يجيدون فن
التملق و السير فى ركاب الكبار ، و الرقص على كل الحبال ، و استطاعوا حتى الساعة النجاة و ركوب الموجة فى كل الأزمنة .
عندها أمّنت الأميرة (إليزابيث) الفتى على روحه ، و عودته سالمًا إلى موطنه الذى كان تحت انتداب حكومة
المملكة العظمى .
عندها زفرت الأميرة زفرة ألجمت الجياد فى مكانها ، و أعلنت حكومة المملكة رفع حماية الانتداب عن وطن (الفتى البهلوان) ، و صدقت على وعد (بلفور) وزير خارجيتها الأسبق .. الذى أعطى من لا يملك ما لا يستحق .
من بعدها خَطَا بنو صهيون خطوات مدروسة تفوق خطوات (غراب) ولدي آدم بعد وقوع الجريمة الأولى على وجه هذه الأرض ، و راحوا ينبشون كل القبور ، و يمتطون ظهر الرياح أينما ذهبوا ، و يركبون متون البحار فى ظلمة الليل ، و يتسللون فى الخفاء مع بنى جنسهم إلى البقعة المباركة ، و حاكوا الحكايات الهابطة عن الوطن المزعوم و أرض الميعاد و شعب الله المختار ، و كأن باقى البشر جاءوا إلى الوجود دون إرادة من الرب ، و بعيدًا عن مشيئته .
ــ لا يهم ــ
طالما الحَكَايا و الأكاذيب مستساغة و مستقرة فى روع
الكثير في الغرب و الشرق طالما بنو صهيون بعيدون عن قصورهم و ممالكهم ، و إن استمرأوا تجارتهم الراكدة و زيف الحَكَايا القديمة المكررة .
يومها ساقت أقدام والده مشيئة القدر لتكون هذه البقعة من الأرض المقدسة بلادَه ، و تكون العودة فى هذا الموعد بعد مرور ما يقرب من ست سنوات من الغربة ، و بعد انكسار الجيوش العربية بالخديعة و المؤامرات أمام عصابة قليلة العدد تملك فى السر و العلن حق الاعتراض الفيتو بيد اللوبى الصهيونى حيثما كانت رؤوس أموالهم و على مر السنين .
و تكون أول المداهمات الواقعة على أبناء جلدته بالبقعة المباركة بمحاذاة شاطئ البحر المتوسط ، ليجد غصون الزيتون تحترق .
قبل أن يبرق (الفتى البهلوان) للأميرة التى أصبحت الملكة على الشاطئ الآخر بأنه لم يستطع أن يوفى بقسمه و عهده الذى قطعه على نفسه أمامها بأن يحمى عرين أوطانه ، عندما كان يحاول معرفة السبب الذى يجعل جماعة النازى التى تلاحقه و تريد أن تقذف به فى الأتون الذى أقاموه لأولاد عمومته .
عندما سمع قولها لقائد جيوشها بالدفاع عن تاج المملكة بكل ما يملك من قوة ، و أن لا ينسى محاولة النازى و حلفائه بالانقضاض على مملكتها مترامية الأطراف فى حينها ، و قبل أن تغير حكوماتها المتعاقبة الاستراتيجية
الاستعمارية الجديدة ، و التى صارت تدار بالـ “ريموت كنترول” .
و يثبت للدنيا بأسرها أن له عهد يحافظ عليه .. غير ما يدعيه و يقوله الساميون من الأطراف الأخرى للغرب و الأمريكان بأن :-
الأرض الطارحة بالدهن و زيت الزيتون و الليمون و الكانتلوب .. أضحت تحت قبضتهم ، و هم مهيمنون عليها بالديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط ، و أنهم ذراعها الفتى ، و لسوف يحرصون عليها و على مصالحهم فى ثروات الشرق الأوسط المتعددة باليد الغليظة و القلب القاسى و الجيش الذى لا يقهر .
و أنه الآن فى آخر شبر من ترابها يحصد الرؤوس و الهامات التى تحاول أن تطل من تحت أنقاض ( جباليا ، و بيت لاهية ، و خان يونس ) أو تلك التى تختبئ تحت الأنفاق بشريط (رفح) .. غير أنه مع (الرصاص المصبوب) و كل المحارق التى يؤجج نارها و يشعلها لا يدري بأن اللهيب واقع لا محالة بين فخذيه و فى دبره و لن يطول رأس المرأة العجوز و صدور الأطفال الرضع و إن استشهدوا مئات المرات و حتى ينطق الحجر و الشجر :- يا مسلم ورائى يهودى مختبئ تعال فاقتله ، فإنه مكتوب عليه منذ الأزل الشتات ثم الشتات و إن علا فى الأرض لبعض الوقت .

السابق
ربيع
التالي
سـلـك

اترك تعليقاً