المقامة

الأميرة الحسناء وحكيم الزمان

أميرة تشكو لحكيم الزمان شئنها وقد حيرته في أمرها:
– ما بالك يا حكيم بعاشقة تحيرت خطوب الزمان في أمرها.
فعلم حكيم الزمان انها تعشق من لا يبالي بها ولا بأمرها، أميرة على لهف تشكو مر الشوق ألماً فتألم قلبه لأمرها، أحدق ببصره متأملاً بها قائلاً بحروف القصيد شعراً في أمرها:
– أي بنيتي، وهل للشوق لغةٌ، غير همسات القلوب، تعزف اللحن على الوتر، فما بال ذاك القلب لا يفقه معناً للحن كأنه حجراً صلداً نُحت من الصخرِ.
– فهب أن ذاك القلب به، سقم ولم يعرف شيئا عن الحب من بادئ الأمرِ، أيستحق من مُحِبــَــةً له ســـــهدٌ يــضــنــيــــها الــــتــيــــاعـاً، بمر الشـــــــــوق والـســــــــهرِ، وأي عاشـــــقٍ ذاك ألا ثكلته أمه فأي قلب لديه ميت كالحجر.
أومأ حكيمنا برأسه من بعد تدبرٍ وقال معاتباً لها بحروفٍ أحرَّ من الجمر:
– أو لم تعلمين بنيتي أنه شتان شتان ما بين الشمس والقمرِ، فأي عاشقة تلك التي تخلط ما بين الليلِ و الفجرِ، تشكو ألم الشوق ولا تعلم أمراً عن القلب ولا خبراً عن الأمر، فإن للقلب أسراره وأي شاعرٍ عنه يخبرك بمتن القصيد والشعرِ، فالحب ليس مجرد حاشيةٍ أو هامشٍ أو حرفٍ من الحبرِ، فلم يترك متن القصيد حرفاً عن الحب بالشعر كان أو بالنثرِ، فان قلب المحب لمحبه في الليلة الظلماء كالبدرِ، أما وان كان قاسياً قلبه فلا تتركين له في القلب من أثرِ، أهجري بالقلب زمانه أبداً بلا ندم فهو من بدأ بالهجرِ، فلا عليك ولا تبكي على الأطلال ما قد فات من العمرِ، ودعي السماء تخبر عما هو آتٍ تأتي به الغيمات كحبات من المطرِ.
فما كان للأميرة الحسناء من خيارٍ لها يغنيها عن الهجرِ، ومن وريد نهر عينيها على الخدين دموعاً قد سالت من القهرِ. عن وجنتيها مسح الحكيم بيديه دمعها
مواسياً لها بكل فخرٍ:
– أي بنيتي، هوني عليك وكفى غدراً من الزمان وضيماً من الدهرِ.
– أمرك زادني الماً على ألمي وله قد أدمت مدامعي من القهرِ، وجرحك عميق وكفيل به أن يداويه بلسمٌ علقمٌ أمَرُّ من المُرِّ.
تنهد الحكيم قائلاً لأميرته:
– وهل لنا غير الأمل مداوياً يواسينا، ومن لنا سوى علقم الصبرِ لجرح الزمان بلسمٌ شافياً يداوينا، من ذا الذي يستحق كل هذا الحب وعشقنا له يضنينا
دموع ألم على الخدين قد سالت وسهدٌ نقضي به ليالينا، بكل طلةِ فجرٍ وليل يزين سماءه البدر نذكره وهو ناسينا، ان غاب عنا بكل لهفة نسأل عنه اذ أنه بدر تم في ليالينا، ومن لنا سوى البدر في اليلة الظلماء تستنير به بوادينا، فهل يستحق دموع ألم على الخدين وسهدٌ نقضي به ليالينا.
وبعد برهة من الوقت عاد للأميرة شئ من الهدوء ولا زال في طياته حنينا، وردت على الحكيم تشاطره الرأي قائلةً له:
– وفي ثنايا الروح أنينا، ليس الحب مجرد كلمةٍ نلقي بها في الهواء، فانَّ لحروفها معاني تطرق أبواب السماء، وان كنت صابراً لن يذهب أبداً صبرك هباء، أما وان كنت مغرماً بغير مغرمٍ بك فهذا بلاء، لكن التمس له العذر دوماً ولا تبادله الجفاء، فمن كان يظن أن الحب بلسمٌ فهذا محض غباء، ألا وإن ضاقت بك الحياة فلا يضيرك منها العناء، حتمٌ ولا تشكو للدهر ضيماً فتتلاشى أوراقك هباء، فإن علت عليك السماء فحزنك وقهرك في بحر الحياة ماء، وان علا نظرك للسماء وهامت رموشك على غيوم دفئ وهناء، ارسم على شفتيك بسمةً تجعل أيامك بهجةً وغناء، وابتسم للأيام بلا ضنكٍ لتحيا في هدوءٍ وسناء.

السابق
قارئة الكفّ
التالي
الغريب

اترك تعليقاً