النقاش العام

الإنسان والحرف

إنحزت في كل قصصي للواقع اليومي للبشر .. وآثرت أن تكون كتابتي عن أحداث حقيقية وقعت بالفعل وألهمني هذا الواقع بزخم ضخم جدا .. حيث الواقع يعني الحياة الإنسانية اليومية وما بها من مفارقات وقصص قد تفوق الخيال .. وظللت دوما أكتب عن الإنسان والإنسان فقط .. في كل حالاته ومشاعرة وفكره وأحاسيسه ومدى علاقته بالزمن والإشياء والكائنات الأخرى .. كالجماد والحيوان والزرع والشمس والهواء وكل ما ممكن أن يحدث من تفاعل بين الإنسان وبينها .. وأنا أعتبر أن القاص أو الروائي إنما يحرك الأشخاص والأحداث بطريقته هو .. لتوصيل فكرته مستخدما إبداعه في كيفية التفكير بطريقة الشخصية التي يكتب عنها .. أو يعبر عن الأحداث من وجهة نظر أبطالها .. وهي عملية معقدة تتداخل فيها وجهة نظر الكاتب مع وجهات نظر الشخصيات .. ويكون نجاح الكاتب في عدم طغيان أو عدم ظهور وجهة نظرة الشخصية فيما يكتب أحيانا ..
فالكاتب أو القاص كما يقول تشيكوف .. ليس نبي أو قديس يخطب فيمن يكتب لهم وإنما براعته في تحريك الشخصيات والأحداث وإبراز التفاعل بينهم كلهم لتوصيل رسالة أو موقف أو فعل ما .وتتباين قيمة الإنسان في كل المواقف فهو تارة ملك متوج وتارة مسحوق تماما، ويكون الإنسان شيئا ماديا في الحروب يستهلكونه ويرمونه .. ولابد من البحث عن بديل يملأ الفراغ الذي تركه .. ثم يطلق نارا في الإتجاه المحدد ويموت ويكون الموت شرفا له والقيم والمشاعر والتصرفات الإنسانية في رأي هي الأجدر أن نتحدث عنه دائما في كل أحوالها .. وفي حياتها العادية والتي من الممكن أن تصبح أجمل من خيال أي كاتب طالما أجاد القاص في التعبير عنها.
وقد قرأت بوست جميل جدا لصديقي الكاتب / بدوي الدقادوسي .. يتحدث فيه عن أن الحياة اليومية في كل شوارع وقرى ومدن مصر مليئة بآلف القصص والحكايا وتحتاج لمن يغوص فيها ويخرج لنا درر من القصص والروايات الرائعة ..
وأنا أتفق معه في ذلك لأني بالفعل كنت أفعل ذلك من ثلاثون عاما حيث متعتي هي الفرجة على البشر في الشوارع ومراقبة الإنسان داخلهم فى تعبيرات وجوههم وكذا ردود أفعالهم وإنفعالاتهم .. ولكني مع الأسف توقفت عن ذلك وتوقفت أيضا عن الكتابة منذ سافرت من مصر قبل أكثر من خمسة وعشرون عاما .
ومن الطرافة أنني وجدت نفسي أنصح صديق كاتب أن يتأمل الناس بالشوارع ويسير وسطهم صامتا .. يتعرف على لغة الوجوه لكي يستعيد لياقة الكتابة وقد كان يشكو من عدم مقدرته على الكتابة .
وكثيرين تحدثوا عن الحياة العادية أنها ملهمة جدا حتى لصنع الفارق في الشعور والإحساس بلا أي تزيد ويقول الكاتب الألماني المعاصر أدورنو :
إذا كنت في بلد ما غريبا فليس عليك إلا أن تطالع وجوه الناس فقط وتقارن بين الملامح دون أن يكون لديك أي هدف .. أو تقارن بين العيون والعيون أو بين الأنوف أو بين الأحذية .. أو كيف يمضغون .. دون أن يكون في أحلامك أن تضع نظرية للسلوك الإنساني .. فقط لاحظ .. راقب .. إضحك .. بدد نفسك بين الوجوه .. أحشر نفسك في الزحام .. وفي هذا الزحام تضيع مشاعرك وفي ذلك راحة لك .. إنها المرحلة الأولى من مراحل الإستيطان بين الناس وبعد ذلك تجئ الألفة .. وبعد ذلك المودة والصداقة .
وقد كان الواقع ملهما أيضا للفلاسفة وكما ويقول الفليسوف الفرنسي / جابرييل مارسيل :
كان الفلاسفة العظماء دائما هم الذين إتجهوا إلى الواقع .. إلى التجربة اليومية ..إلى الحياة الإنسانية دون أن يكون همهم الأول والأخير أن يبتكروا تعبيرات جديدة ومصطلحات فريدة تستحق التصفيق في المؤتمرات الدولية .. حيث لايكون الإنسان مبدعا إذا كان هدفه أصوات أعضاء الوفود الدولية .
وهذا بالضبط ما عبرت عنه في قصتي (على بعزق ) :
” محشورا وسط زحامها .. متعتى تفرس وجوه البشر فى هذا الزحام .. أمشى وسطهم أحس نبضهم وألمس معاناتهم اليومية ..
يطول المشوارويهدنى السير.. أجلس على كرسي المعتاد بالمقهى القديم بالميدان .. مع كوب شاى ساخن .. أجلس صامتا مطلقا العنان لخيالي .. أعيش مع نفسي متجاهلا ضوضاء الشارع . ”
ويظل الإنسان عندي هو الملهم والمعلم والكتابة عنه مهما كان بسيطا أو حكايته بسيطة فهي تستحق أن تروى وأيضا أن يقرأ هؤلاء البسطاء ليثقوا أن الإنسان البسيط لديه ما يقدمه للناس حتى ولو كانت تعاطفا إنسانيا أوبسمة في زمن عزت فيه البسمات .

السابق
شهوة
التالي
لقاء!

اترك تعليقاً