القصة القصيرة

الاثنان يحلمان

مع اول خيط من الضياء يتهيئان لمتاعب اليوم , تعتمد على ذراعه في رفق , لاتعرف خطواته الحرة سوى عثرات الاحجار وبقايا النفايات , حتى يحل الخوف بين نظراته فيؤثر به ذلك الضياء الخافت ، يبدأ به الفجر وعلى حياته النقية , اذ تحيله الساعات الى رجل ليعمل طوال النهار ، يجمع العلب الفارغة كثيراً ، الوقت في صباحهم مليء بتفاصيله الممتعة في ظلام تلك النفايات ، في ذلك الفضاء المعزول عند منطقة في اطراف المدينة ، تسمى منطقة ( الدفن ) ليس بمنطقة دفن الاموات ولكنها منطقة دفن النفايات .
تنتظر اقدامهم الوجود امام تلك الحاويات ، التي تنقل النفايات ، حيث تجد في هذا المكان مختلف الأعمار من الأطفال والنساء الشابات والكبيرات لم تقيدهم حركتهم ، فهم هامشيون وعزلى عن الحياة يستلون قوتهم من عقاب العمل والتعب ، يقضون يومهم بجمع العلب الفارغة وحملها لبيعها في اخر النهار في مكان مخصص لشراء تلك النفايات المنثورة في ذلك الفضاء .
تسرع الأم و ابنها ذو العشر سنوات في ساعات الصباح اذ كلما ازداد الوقت على التأخير زاد قلقهم في ذلك ، فإنهم سيفقدون قوتهم لذلك اليوم ؛ بنفاذ كل العلب الفارغة ولم يبقى لهم من العلب ليجمعوه ؛ فكثير من الاصوات الضائعة هناك , الصغار بين صفير النفايات يحملون العلب اخر النهار الى مكان اخر لبيعها
فبعد ما غيب الموت والده وضعف قوت اخوانه الثلاثة الصغار بات الزمن يتحول الى مهيمن اكثر من ان يحوله من طالب في المدرسة الى عامل بملابس رثه يتشابك خياله نهاية الحياة بنهاية يومه ، ويموت ليلا ليحيا في اليوم التالي وهو بهذا العمر ، فيومه مغيب بين النفايات ، لم يألف اللعب في ساعات النهار على الرغم من وجود العديد ممن يرغب في اللعب معه فيصاب بلدغات الخوف وتقوده حالته الى البكاء احيانا ، فكثير من اللعب بين الحاويات يطمح ان تكون له ولكن بملامح نظيفه وجميلة يتمسك بتلك الصور على الرغم من انها بلا جذور في فكره فيأخذه المزاج الى جملة من الاسئلة يتغنى بها .
ربما هو اليوم ليس كما كان بالامس ، فاليوم نفذ صبره بعد ان افرط في التعب ، حساسيته امام ما يحمل من اكياس العلب ويصل الى الطرف الاخر من الطريق حاملا احلامه معه وكان يمشي أول الأمر بأسرع مما كان في السابق حيث
تسمح به قوته، فقد كان الصوت الذي يبلغه نبرات متقطعة

وبعد ساعة يرحب بالنوم بعد ساعة واخرى من العمل على تلك الارض المظلله بما تحويه من نفايات لم تكن تشبه في شىء تلك الارض التي تصورها الاحلام , ولكن في اسلوب حياتهم هذا النسق من الهموم ترافقهم هي التي خرجوا منها وكل ما يعكر صفو حياتهم ويحول دون الأحساس بالسعادة
يسير مع امه يتنقل هنا وهناك يجمع العلب والقناني في كيسه , مرةًهو واخرى امه ، حتى فاذا ظمئوا انحنوا بشفاههم الى ما يحملوه من مياه قبل ان يتناولها الصغار وتنفذ .
تمشي الام كالنائمة بين الانقاض ، ولكنها تسمع ضحكة ابنها المنبعثة من روح العبث ، يومىء اليها ، وبعد ان اوسعت النفايات بان لها ان الذي بجانبها ليس إلا لعبة قذرة مرمية بيد ابنها يرغب بها ولكنه مستاء من رائحتها النتنة .
وفي عصر اليوم التالي عادا قبل الغروب بساعة لأنها وعدت ابنها ان تشتري له اللعبة التي يرغب بها ، تزاحمت الافكار في راسها وتساءلت : من أين توفر المبلغ لشرائها؟
وعند رصيف الشارع اسرع الأبن ومضى عنها وتركها تنظر اليه ، كان احد يراقبهم عن كثب ولم يكن عن قصد منه ، ادار عينه في كل ناحية ، كان يفكر بصورة ذلك الصبي وهو ينظر الى اللعبة يريد شراءها , شاهد صورة معكوسة في مراة ذاكرته , كانت الشمس الغاربة لاتزال تضىء المكان حيث هب الى شراء اللعبة واقترب من الصبي وقدمها له , كان لذلك الصبي نظرة كالسحر الخفي الذي تمتاز بها العواطف المبتكرة لا المستعارة ، أشرق وجهه بالنور والسعادة ونسي حرارة اليوم المتعب ، استطاع ان يجد السعادة والراحة في آن واحد , احس بجدران بيته قد احاطت به فلم يعد يرى ذلك الغروب.

السابق
شموخ أنف
التالي
ضياء

اترك تعليقاً