القصة القصيرة

الباب

مضت أكثر من عشر دقائق وهو واقف أمام الباب، حرّك يده بعصبيّة كبيرة، نظر إلى ساعته”ما زال هناك وقت؛ سأنتظر”.
أسند ظهره إلى الجدار، ثمّ نظر من حوله، فوجد اثنين ينتظران مثله أمام باب آخر، أبواب كثيرة تفتح وتغلق، كلمات محدّدة تتناثر بين الحين والآخر على مسمع من الجميع؛ “شُفيتم”، “عوفيتم” حركة دءوبة لا تنتهي، فهذه ساعة الذّروة،؛ ومعظم النّاس خارج منازلهم. فجأة لفت انتباهه أمر ما؛ كلّما وقف بجانبه أحد ينظر إليه ثمّ يذهب بعيدًا عنه، شعر بغضب شديد وتساءل” ما الأمر؛ هل تفوح منّي رائحة ما، أم أنْ شكلي في خطأ؟”
نظر إلى نفسه ومن حوله، ثمّ أسند رأسه إلى الجدار، سرح بخياله بعيدًا، وأطلق تنهيدة كبيرة؛ فاليوم كان عصيبًا بالنّسبة له، فمنذ الصّباح والمشاكل تلاحقه؛ مشادة كبيرة مع زوجته ككلّ يوم، مشاكل ومشاكل لا تنتهي، وأصبحت لغة التّفاهم بينهما صعبة…وها هي تريد الطّلاق، وصديقه الوحيد الّذي خرج به من الدّنيا والّذي كان يقوم بدور فاعل خير ويصلح بينهما تخاصم معه ولم يعد يكلّمه.
أشاح بنظره في أرجاء المكان ثمّ أطلق زفيرًا قويًّا…”لماذا لم يخرج حتّى الآن؟”تساءل بغضب ثمّ أردف قائلًا”هل اكتشف اختراعًا جديدًا؟ أتراه سيخرج الآن صارخًا: وجدتها، وجدتها…” هزّ رأسه باستهزاء ” ومنذ متى كنّا نكتشف، لقد انتهينا منذ زمن بعيد، حسنًا سأنتظر لأرى هذا المكتشف العظيم”.
النّاس يدخلون ويخرجون مسرعين، عشرون دقيقة مضت، الحركة أصحبت بطيئة، الباب الآخر مفتوح لماذا لا أستخدمه، تساءل فيما بينه وبين نفسه” لا، لا، أريد أنْ أرى هذا المخترع العظيم الّّذي دخل ولم يخرج إلى الآن، وكأنّه اشترى هذا المكان بما دفعه من نقود، أريد أنْ أرى ملامحه؛ سأنتظر”.
قال ذلك ثمّ حبس أنفاسه وضرب الحائط بقبضة يده، مّما لفت انتباه أحد العاملين هناك، فحاول الاقتراب منه، تأمّله، ثمّ تراجع على الفور؛ لم تعجبه نظراته وحالة القلق الّتي بدا عليها…
ها هو الوقت يمضي، وما زال واقفًا يتمتم بصوت خافت” هذا اليوم من أوّله لا يبشر بالخير، لماذا يحصل كلّ هذا معي، يا إلهي لم أعد أستطيع الوقوف، يجب أنْ أدخل، أشعر بأمعائي وكأنّها ستتمزّق، وهذا الحيوان لم يخرج بعد، سأستخدم المرفق الآخر، لكن لا، أريد أنْ أرى ملامح هذا الشّيء الّذي دخل ولم يخرج بعد”.
ظلّ واقفًا، فيما الوقت يمضي، حركة الدّخول والخروج خفّت كثيرًا، زاد انفعاله وغضبه، يجب أنْ يدخل، فهو يعاني من الضّغط والسّكري؛ والتّأخير يضرّ كثيرًا بصحته. فجأة اقترب منه العامل قائلًا:
– سيّدي أنت
قاطعه بشدّة:
– أنا ماذا ها…لعلّي لم أدفع بعد، أو لعلّك تريد أنْ تصاحبني، أم أنّني أٌقف في مكان ممنوع، أغرب عن وجهي.
تراجع العامل وقد بدت على ملامحه آثار الدّهشة والحيرة؛ مصحوبتان بخوف شديد، ووقف ينظر إليه من بعيد، مضى ثلاثون دقيقة وهو واقف لم يتزحزح عن مكانه، أصابه التّعب، لم يعد يحتمل الوقوف، جلس القرفصاء، نظر من حوله فإذا بالعامل ينظر إليه، شعر للحظة بأنّه ربّما أخطأ في حقّه، أراد أنْ يعتذر، لكنّه تراجع في اللحظة الأخيرة” لماذا أعتذر، أنا لم أخطئ” لم يكد ينهي جملته حتّى طرأ على باله كلام زوجته هذا الصّباح” هكذا أنت، لم تتغيّر؛ ولن تتغيّر أبدًا” هذه عبارتها المفضَلة لديها، وكأنّها نشيد وطني لا بدّ من سماعه يوميًّا، حتّى صديقه الوحيد كان يقولها له، واليوم بالذّات كانت هذه العبارة سبب الخصام بينهما …” أتغيّر، أتغيّر، ماذا بي حتّى أتغيّر، لماذا لا تتغيّرون أنتم؛ لماذا لا تتغيّرون؟”.
قالها بغضب شديد وبصوت عالٍ مّما لفت انتباه الجميع إليه، لكنّه لم يعرهم أيّ انتباه.حاول الوقوف فشعر بألم شديد في بطنه، وأحس بثقل في رأسه، وبحرقة في عيونه؛ بالكاد استطاع الوقوف، حرّك يده بانفعال كبير، وحدّق في ساعته”لم يبق لديّ وقت كاف، ماذا يفعل هذا الحيوان، لماذا لم يخرج حتّى الآن، هل مات، أتراه غلبه النّعاس فنام…”.
لكم شعر برغبة شديدة في اقتحام الباب وتحطيمه فوق رأسه! تمنّى لو يقتله، فصرخ بقوّة” ماذا يفعل ابن ”
لم يستطع أنْ يكمل جملته، أحسّ بأنّ الدّنيا تدور به، وآلام بطنه تزداد، ورأسه يكاد أنْ ينفجر، تقدّم نحو الباب يريد أنْ يضربه بكلّ ما تبقّى له من قوّة، نظر جيّدًا، تمعّن بالباب” يا إلهي كيف لم أنتبه، ما هذا، كيف لم… كيـــ…آه….أممممممم آه…”
دار دورة كاملة حول نفسه، ثمّ صرخ صرخة مدوية؛ وخرّ صريعًا على وجهه…

السابق
قراءة في نص “كَيْذُبانٌ”
التالي
مهاجر

اترك تعليقاً