القصة القصيرة

البلدة التي ضيّعتِ الفرح

طلع فجر يوم آخر ، و هم هناك ، منتشرون ، عند النهر ، بعضهم يفترش العشب و بعضهم يقف منتصبا محدّقا ببصره نحو الأفق . كانوا ينتظرون بفارغ الصبر و عميق الأمل و حزن كثيف ، قادما من الضفة الأخرى يحمل لهم الفرح الضائع .
كلهم كبار في السن ، نساء و رجال ، أصغرهم تجاوز العشرين بقليل .. شعثا غبرا ، تبدو عليهم علامات الارهاق و سيماء القلق .
قال أحدهم و هو يمسد جبينه بأنامله : ماذا يحدث ؟ أتذكّر صورا هلامية غائرة في البعد و في رأسي ما يشبه الحلم الباهت بأننا كنا أطفالا أو كان بيننا أطفال . لكن لا شيء من ذلك في الذاكرة .لا شيء أبدا .
قال رجل من الحضور : ما معنى أطفال ؟
و تساءل آخر بذهول : ما معنى ذاكرة ؟
و قالت امرأة باكية : لا أدري ماذا أصابني . لا أذكر شيئا لكني أشعر كأنما أحد مزّق كبدي نصفين .
” كانوا هنا ” قال آخر، و هو يقطّب جبينه و يمسح على وجهه بكف يده العريضة ، ” ثلاثة أو أربعة في بيتي ، أو أكثر، لا أذكر ، أحاول التذكّر فلا أستطيع ، و كان البيت عامرا بالضجيج و الحياة . صحيح كنت قاسيا معهم ، قليلا ، أبرحتهم ضربا لأنهم لم يجمعوا كفاية من المال في ذلك اليوم أمرتهم فيه بالخروج للتسوّل ” .
كل شيء كان على ما لا يرام إلى أن أصبح أهل البلدة يوما فإذا بشرخ قد أصاب ذاكرتهم و عائلاتهم . لم يعثروا على طفل واحد و لم يعثروا في جيوب الذاكرة سوى على الركام .
اختفى كل الأطفال من الشوارع و المدارس و المنازل . حزنت الشمس و لم تعد تجد لها سببا للظهور ، حزنت الحيوانات الأليفة ، العصافير في الأقفاص توقّفت عن الشّدو و أسماك البحر نفقت ، الشوارع ارتدت ثوب الصمت و الحداد ، و الأشجار و الأزهار في الحدائق أصابها الذهول .
تفرّق أهل البلدة يبحثون . معظمهم لم يكن يدري عما يبحث بالضبط .. ” أبحث عن فرح ضائع ” كان معظمهم يقولون .
و أخيرا ، بعد رحلة منهكة من البحث عن الفرح في كل ربوع القرية ، شرقها و غربها ، شمالها و جنوبها ، منازلها و مدارسها ، حوانيتها و مؤسساتها ، وديانها و سهولها و بينما كبار البلدة قرب النهر يتشاورن ، ظهر فجأة من خلف الأشجار أحد الرعاة ، و كان غريبا عن البلدة و لم يسبق لأحد أن رآه قبل ذلك اليوم .. أخبرهم الراعي أن لا فائدة ترجى من البحث ،و أنّه في الفجر منذ أيام شاهد امرأة جميلة جدا ، فارعة الطول ، شعرها سنابل قمح أخضر و جبينها كالقمر يرسل نورا يخطف الأبصار .قال أنّه شاهدها تمضي خارج البلدة رفقة الأطفال ، كانت تعزف لحنا غريبا على آلة غريبة تشبه الكمنجة و تسير باتجاه الجانب الآخر من النهر، و كل أطفال البلدة يتبعونها بسرعة وبفرح .. كانوا يسيرون خلفها و كأنهم مخدّرون أو بهم مسّ من السحر ، أكبرهم سنا يحمل أصغرهم ، و أقواهم يساعد أضعفهم .
و كان بين أطفال البلدة بائعة الكبريت و الطفل الباكي و ماسح الأحذية و بائع الخبز و فانكا جوكوف الاسكافي الصغير و الطفلة كوزيت …
و قبل أن ينهي الراعي كلامه التفّ الجمع حوله . أمسكوا بخناقه .
– اخبرنا و إلاّ قضينا عليك .. إلى أين مضت بهم ؟
– لا أدري . أخبرتكم بما رأيت . لكن ليس عليكم أن تحزنوا أو تقلقوا لفراقهم فهم هناك أفضل بكثير مما كانوا عليه هنا . رأيت ذلك بأم عيني ..كلما تقدّموا خطوات خلف المرأة تغيّرت هيئاتهم و بدت عليهم علامات السرور و البهجة و الصحة .
قال الراعي ذلك و اختفى مسرعا خلف الأشجار .
و منذها و البلدة بلا أطفال ، و لو حدث و مررت من هناك سوف تجد أهل البلدة مجتمعين عند النهر ، منتشرين فوق العشب ، ينتظرون بفارغ الصبر و عميق الأمل و حزن كثيف قادما من الضفة الأخرى يعيد لهم الفرح الضائع .

السابق
أنا وصديقي والحقيقة
التالي
شغف أنوثة

اترك تعليقاً