مقالات

البنية التعبيريّة القصصيّة: البُعد الأسلوبي ووظائفه

إن الأسلوب هو في الملاءمة بين الشكل والمحتوى، ويُفهم به طريقة استعمال اللغة استعمالاً خاصاً وفريداً مختصّاً بكاتب ما، من خلال اختيار مفرداته وصياغة عباراته وصوره لإحداث أثر ما في المتلقّي واستمالته أو إقناعه… ما يعني أن للأسلوب بعداً سوسيولوجياً . خلف العنوان، والأسطر الأولى، والكلمات الأخيرة، وخلف بنية النص القصصي الداخلية وشكله الذي يضفي عليه نوعاً من الاستقلالية والتميّز، ثمة منظومة من الإحالات المرجعية والجمالية. ولئن لغة الأدب لغة رموزية، يغلب عليها التلميح والتمثيل والتضمين، والصورة الساخرة، ينبغي فك الشيفرات الجمالية للغة القصصية باستعمالاتها في أدب الكاتب، فضلًا عن كشف الإشارات الثقافية والتاريخية والسياسية. فما الذي يميّز أسلوب كاتب ما من غيره؟ سؤال يُفضي إلى آخر: ما الذي يجعل الجميل جميلاً ؟ وثمة قائل يجيب عن السؤال المطروح بأن “الجمال بناية تقوم على منطق علمي معيّن وقدرات محدّدة في تشييد البناء الجمالي”. وهذا القول يتقاطع مع نظرية ابن طباطبا (في كتابه عيارالشعر) القائلة بأن الطرب المتأتّي عن “الفهم” أشدّ إطراباً من الغناء(أو الموسيقى).
لم يُعرف مصطلح “الأسلوب” عند البلاغيين والنقاد العرب القدامى بهذا الاسم، وإنما تحدّثوا عن “الصياغة” أو “الصوغ” و”جمال التراكيب”. وفي العصر الراهن تعدّدت الاتجاهات العلمية لدراسة الأسلوب وتشعّبت في اعتماد وسائل تتيح إبراز البنية التعبيرية والخصائص الأسلوبية للكاتب، منها: الأسلوبية التعبيرية، ويمثلها بالي Bally، والأسلوبية الفردية، وأشهر ممثل لها سبيتزر Spitzer، والأسلوبية البنيوية، وأبرز من يمثلها جاكوبسون Jakobson وريفاتير Rifaterre. طريقة المقاربة النصّية السيميائية فيها الكثير مما في اللسانية والبنيوية وعلم السلالة، فتؤول الإشارة اللغوية سيميائياً، في المراحل الثلاث: التركيبية، والدلالية، والبراغماتية. ومن الطرائق الفضلى هي التي تتناول دراسة سيميائية العنوان وحسن الملاءمة للمذهب الفني الذي ينتهجه الكاتب، والبناء – التشكيل المعماري والتكافؤ الدلالي؛ حيث تتمّ دراسة الانسجام ما بين البناء وتشكيله مع الدلالة، فضلاً عن دراسة اللغة والتصوير، لإبراز الميزة التعبيرية في الأسلوب.
العنوان: وهو “علامة سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص، كما تؤدي وظيفة تناصّية”. وكما يرى جون كوهن J. Cohen إلى العنوان بوصفه مسنداً إليه- الموضوع العام، وإلى الخطاب النصي بأفكاره، مسنداً. كما أنّه عبارة عن “رسالة مسنّنة بشيفرة لغوية ذات وظيفة شاعرية أو جمالية قابلة للتفكيك والتأويل بلغة واصفة”. من الأهميّة بمكان أن يولي الكاتب/القاصّ أهميةً لعناوينه في اختيارها مؤثرة، ودالّة ليس من طريق الكشف والإيضاح، إنما عبر الاستنطاق والتأويل. كما يذهب المسرحي والقاص سعيد تقي الدين في قوله:” إنّ عنوان القصة يجب أن يكون، عدا عن جماله، لغزاً… وحذار أن يفضح عنوانك قصتك”. شرطان إذاً، في العنونة: الجمالية والغموض/ اللبس. في السياق عينه، حدّد جينيت G.Genette وظائف أساسية أربع للعنونة، وهي: الإغراء، والإيحاء، والوصف، والتعيين. فتبرز أهمية العنونة قي كشف جماليات الأسلوب القصصي؛ إذ انطلاقًا من العنوان يحصُل اقتحام أغوار النص، وفضاءه الرمزي والدلالي… ويقصد بهذه العناوين/ العتبات ” المداخل التي تجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأوّليّة والأساسية للعمل المعروض”. من هنا تبدأ رحلة البحث السيميولوجي للعنونة وتأملها بقصد اكتشاف بنياتها وتراكيبها ومنطوقاتها الدلالية، وأبعادها الرموزية، ومقاصدها التداولية(البراغماتية).

البناء: وهو الآليّة التي يتم من خلالها فعل التأليف، ويتحقق بها تشكّل النص. وهو يُدرَك بكلّيته وليس بأجزائه منفردة، وهو عَيني حسّي ومُعطى تجريبي ؛ إذ إنّ” اجتماع الأشياء يخرجها عن وجودها الجزئي ليعطيها سياقا “ً أو بتعبير عبد القاهر الجرجاني في أن اللفظ والمعنى عنصران لهما ثالث في التعبير هو الصورة “. نظم أجزاء القصة يتجاوز السرد والحُبكة، إنه تشييد البناء في تكامل تمظهره خدمةً للدلالة، وإظهاراً لها، ولتوليد أجواء عند المتلقّي” تنقله من حال هو فيها إلى حال أخرى هي أقوى منها وأشدّ”. فالتركيب يخضع للمنطق العقلي أو لفن الصناعة. وهكذا تبدأ آلية كشف مكامن الجمال في التركيب/ التشكيل المعماري من استهلال/ مطلع بنيوي وختام موظّفين جمالياً ودلاليّاً.

اللغة والتصوير: إن كان الكلام يعبّر، فالأسلوب يبرز. فأساس المتعة هو الإعجاب بأسرار اللغة العربية؛ من هنا، تقوم الدراسة بتتبّع القدرة على اللعب باللغة والتصوير لخلق الجماليات وإحراز المتعة في التلقّي، وإمكانية الكشف عن أجمل الحالات الانسانية؛ بحيث تكون الكلمات وأشياء الحياة نفسها مجنّدة للثورة، بحسب رؤية أبي حيان التوحيدي في نقده للكلام “بأن أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظم كأنه نثر ونثر كأنه نظم”.
إنّ الجدّة في القضايا تستلزم جدّة في طريقة التعبير عنها وإبرازها في أسلوب مغاير عمّا كان مألوفاً. من هنا، ضرورة تقاطع الفني والفكري في الأدب القصصي؛ حيث إنّ الصراعات الإيديولوجيّة في مستوياتها المختلفة، تُوظّف في الكشف عنها وإبرازها في قالب ممتع وجميل، مستوياتُ اللغة جميعها على صعيد المفردة والعبارة والصورة والتركيب والبناء. فيستطيع الكاتب إذ ذاك، أن ينتج شكلاً جديداً في أدبه القصصي يجسّد التحوّلات، ويعكس رؤاه وتطلعاته إزاءها؛ وذلك على الصعد كافةً، السياسية والاجتماعية والانسانية. فيبرز في خطابه القصصي صدق التجربة الفنيّة وعمقها، ساعيًا إلى التوفيق بين حاجة القارىء إلى التصوّر والتخييل، وحاجة النص إلى الجمال. وهكذا، تتجلّى حركة العبور الأدبي من التقليد إلى الجدّة والتحديث.

السابق
ثقة
التالي
كَيْذُبانٌ

اترك تعليقاً