مقالات

التأويل في القصة القصيرة جدا

أو ما يطلق عليه تعدد القراءات

على ما يبدو غدا وجود التأويل أو تعدد القراءات مطلبا مهما في هذا الفن( القصة القصيرة جدا) حيث الكثيرون يرون أن هذا العنصر ينأى بالنص عن المباشرة و الإخبارية و التقريرية، و يمنح المتلقي متعة التحليل و التفتيش و التنقيب و بالتالي فرصة المشاركة في الإحساس بالنص و تعميق ارتباطه بهذا المتلقي.
لكن هل التأويل هو أمر مفتوح على عواهنه؟
هل له شروط تحدده؟
هل له أسس يقوم عليها؟
من المهم جدا و بداية وجود حدث( حكاية)، فالتأويل هو فن قرائي إن جاز التعبير يعاقر كل أجناس الأدب..و حضوره أكثر ما يكون في القصة القصيرة جدا.
و التأويل في القصة القصيرة جدا هو رؤية المتلقي للحكاية من وجهة نظره الخاصة و لكن انطلاقا من المؤشرات و الدلالات النصية.
إذا هناك ثلاثة أسس يرتكز عليها التأويل:
* وجود الحكاية: و هي تعتمد على وجود قصة في النص.
* دلالات نصية: مؤشرات يضعها الكاتب في نصه من خلال السرد و منها الرمز..الرمزية..التناص..اللغة الشعرية..الفكرة العامة للنص..الأساليب البلاغية المعتمدة في النص..إيحاءات العنوان..إيحاءات القفلة..الخ.
* استدلالات قرائية: تتعلق بالمتلقي بحد ذاته، بدرجة ثقافته..بطبيعة بيئته..بالعادات و التقاليد السائدة في مجتمعه..بمرجعيته الدينية و السياسية..بمنهجه الشخصي في الحياة و المناهج الأدبية التي يحبها و يؤمن بها..بخلفيته التاريخية و الأدبية..بأرضيته القرائية..الخ

أهم نقطة في التأويل أن يكون النص حاملا له و ليس العكس..
أن نستدل عليه مما في النص و ليس مما خارجه، و هذا يختلف عن موضوع المقارنة مع كتابة أخرى أو أدب آخر، فالمقارنة هي مرحلة تالية للتأويل و ليست سابقة له، لأنه في الكثير من الحالات التي تسبق فيها المقارنة التأويل يقع القارئ أو الناقد في فخ توظيف معرفته المسبقة الراسخة في وعيه و في لاوعيه لقراءة النص، و هذا يحدث عند التقاط هذا الناقد لمؤشر ضئيل جدا و بعيد جدا في النص، فيبادر بسرعة إلى تحميله كل رؤاه و يسقط بالتالي بعض من ثقافته عليه، مبتعدا عن روح النص و فكرته، و ضاربا عرض الحائط بالكثير من المؤشرات النصية التي تعاكس توجهه و قراءته.
و هذا المطب هو ليس بالمطب السهل..إذ يقع فيه كبار النقاد، و ذلك ينعكس سلبا على الكاتب الذي يشرعن لنصه أشياء لم تقع تحت ظلال نصه مطلقا.
المطب الآخر الذي يمكن أن يقع فيه التأويل هو محاولة قراءة النصوص الغامضة حد العبث، فيرهق القارئ نفسه و يرهق متابعيه من أجل لا شيء..
صحيح أن اختلاف مستوى الثقافة يسمح برؤى متعددة و مستويات مختلفة من القراءة، لكن هذا ينبغي أن يتم بعد أن نتفق أن النص سيقدم حكاية و يرسل فكرة مفادها كذا…فإذا تحقق شرط الاتفاق هذا يسمح عندئذ للإبداع القرائي أن يواكب النص كيفما يشاء.
أما أن يغص النص بالعبارات المبهمة التي لا رابط بينها و اللغة الشعرية المنثالة بلا حدود، ثم يأتي قارئ أو ناقد يندفع وراء مخيلته ليقدم تأويلات تجعلنا نتوه أكثر، فذلك من مساوئ مسألة التأويل.
التأويل يشبه النظر إلى مجسم فراغي(كالهرم مثلا أو المكعب أو متوازي المستطيلات) من جهات مختلفة فكما تظهر لهذه المجسمات مساقط مسطحة مختلفة، لكنها لا تغير من حقيقة الشكل الفراغي للمجسم، فكذلك هي الحال بالنسبة للنص القصصي القصير جدا، حيث ينبغي أن تكون كلها مساقط لشكل واحد و قصة واحدة..أي كلها تخرج من ذات الرحم لتعود إلى ذات الرحم.
و التأويل لا ينفك يكون أقرب لموضوع رياضي هو الاحتمال، فهو قائم على مجموعة احتمالات تتسبب فيها كما أسلفنا التقنيات التي يستخدمها الكاتب في نصه، و بالتالي فقد يكون احتمال أن يشبه التأويل النص عاليا و قد يكون هذا الاحتمال ضئيلا، و كلما نقصت درجة هذا الاحتمال كلما كان الشطط بعيدا، و بالتالي ينبغي هنا أن نبحث عن العيب في ضآلة هذا الاحتمال، الذي يكون غالبا من منشأين: النص- المتلقي( القارئ، الناقد).

السابق
قـناص
التالي
مكان ومقام

اترك تعليقاً