القصة القصيرة

التجربة

ممتع أن تتمدد على فراش الرمال الذهبية الوتير ، تستمتع بأشعة الشمس و هي تداعب أطرافك بينما رأسك يحتمي بشمسية تمنحه رطوبة الظلال ، و حواليك أبناؤك و زوجتك ، تسبح آنا ، و تتابع السابحين و السابحات آنا أخرى ؛ مرة تطالع رواية ، و أخرى تدردرش مع من معك ، غير مبال بما يجري في هذا العالم و يدور من أحداث و مؤامرات و دسائس مغلفة بشعارات مغرية ، و مسوقة بمهارة و خبث..، مادام قد اقتنعت أن الحياة مرسومة أحداثها سلفا ، و أنك لا تلعب سوى دور رسم لك في برنامج الحياة ، و لا يطلب منك أن تكون حسن الدور أو سيئه ، فقصة ” يوسف” عليه السلام ، قد ألهمتك الحكمة و صواب التقدير.
خلافا لشبابك حيث كان الدم الحار فوارا يجري بقوة في شرايينك فلا يسمح لك بترقب و لا انتظار ، تستعجل النتائج ، تسعى بكل ما أوتيت من قلة صبر إلى معرفة ما سيأتي قبل وقوعه. تتذكر يوم اجتزت أحد امتحانات الجامعة ، لقد نفد صبرك و أنت تنتظر النتيجة ، و حين أخبرت أنه سيعلن عنها عدا ، قمت صحبة زملائك بالرقص و القفز فوق الأسرة ، و التراشق بالمخدات عسى ينال منكم التعب فتنامون بسرعة لتجدوا نور الصباح قد سبقكم ، و بذا تنجون من حريق الترقب. لكن النوم استعصى عليك ، فكنت كلما أغمضت عينيك أيقظك الكابوس ، ارتجاف الأطراف ، ارتفاع الحرارة ، و اضطراب القلب. بقيت على هاته الحال إلى أن انبلج نور الفجر ، رأيته نافذة إغاثة مما أنت فيه ، رأيته خلاصا من محنة الترقب المضنية. و زحف الوقت بطيئا كأنه عدو لك يريد بك شرا. أو يتربص بك ، حتى خلته متآمرا من جهات داخلية و خارجية. و لما حان زمن الإعلان ، ذهبت سريعا من دون تناول فطورك ، و لا تغيير ملابسك ، فأنت قد نمت بملابس خروجك غير مهتم بنظافتها أو تكرشها ، كل ما كان يعنيك أن تعرف النتيجة ، و لا بأس من أن تكون مفرحة حتى تصد الصداع ، و تمنح نفسك بريق الارتياح.
وصلت الساحة ، و كان من عادة الإدارة إعلان النتيجة شفويا ، وجدتها عامرة بالمنتظرين من أمثالك قليلي الصبر، اتخذت مكانا في الوسط و رفعت عنقك لمشاهدة الأساتذة يلقون بالأرقام ارابحة ، و أصخت السمع جيدا لمتابعة الأرقام المحظوظة ، و كنت تلعن في نفسك أي شخص أتى بحركة أو صوت. لاحظت أن البعض كان يصرخ ساقطا أرضا لا من ضربة
شمس بل لكونه لم يسمع رقمه، فالطالب أو الطالبة إذا ما تم القفز على رقمه علم أنه قد فشل ، و أنه صار من المكررين. اشتد خفقان قلبك و قد اقترب موعد رقمك ، و جاء الفرج بأن
كنت من الناجحين. لم تقفز طربا ، لم تصرخ فرحا، سكتت و كبتت رغبتك في إعلان نجاحك ، لم تخرج طلقة واحدة إلا بعد أن ابتعدت عن المكان. كما لو كنت خائفا من أن يتم تعديل النتيجة أو تصويب الخطأ ، فررت لكي تحافظ على النتيجة من التغيير..
ذهبت إلى أقرب دار متعة ، و شاغبت الفتاة إلى أن ضجرت مني لشدة عطشي ، و قوة فعلي ، أزاحتني عنها قائلة :
سينضب ماؤك ، فيصير غورا و لن تستطيع بعد ذلك بلوغه !
استلقيت على ظهري ، و فجرت فرحتي المؤجلة.
نظرت إلي باستغراب ، و عقبت :
أنت أغرب زبون رأيته ، فحل لا يشبع ، و رجل غامض يأتي بتصرفات مجنونة.
و انصرفت تاركة إياي غارقا في ضحكي.
من يومها قررت ألا اكون عجولا كموسى و هو بصحبة الرجل الطيب.
اعتقادًا وإيمانًا أنّ مانحن فيه قدرٌ محتوم قدّره الله لنا وأن لا فائدة من السعي للخلاص لأن لا شيء سيتغير..و ها أنا أردد باقتناع المثل الشعبي القائل :
راه الرزق مضمون و التعب علاش ، راه الموت كاينا و الخوف علاش ؟!
فقد اجتزت امتحان الترقية ، و تعاملت مع الأسئلة بأريحية ، لم أبال بمن فتح كتابا ، أو استرشد بورقة مطوية بعناية تحسبا لمأزق ، أو رغبة في تسهيل مامورية. كما لم أهتم بالاتهامات التي بدأت تتهاطل ، طاعنة في موضوعية الامتحان. و حين أعلنت النتائج ، ما شاركت في مظاهرة منددة ، و لا كنت من المعتصمين ، و لا طالبت بإعادة الامتحان و إبطال السابق ، بل توجهت بعد أشهر ، و قد حان وقت العطلة الصيفية ، إلى البنك ، حيث سحبت أجري الشهري ، و مكافأة الترقية ، و في ذهني ارتسمت تفاصيل عطلتي بالمدينة الشاطئية التي استحوذت على لبي.

السابق
توَحُد!
التالي
بصيرة

اترك تعليقاً