القصة القصيرة

التحول

لم يكن يدرى إلى آى منحدر ينحدر .
كانت أيامه المنصرمة لحد قريب تنبئ أنه متجه للدراسة الجامعية بقوة .
ما بين ليلة وضحاها تجمعت كل الخطوب فى بؤجة واحدة, وانصبت فوق رأسه دفقاً.. فلقد استرد الله وديعته ووارى أباه التراب .
ولكونه الأبن البكرى كان لزاماً عليه تحمل المسئولية, ورعاية أخواته البنات, ووالدته التى أركسها حادث سير ذات يوم, وألزمها الدار منذ سنين .
ـ انصرفت المعازى.. وخلا إلى نفسه يراجعها, ويتدبر .
شافهه سؤال : ماذا أنت صانع فى قادم الأيام حيث لاعم ولا خال ولا كفيل إلا الله ؟!
“صحيح” قد حباك الله ببسطة فى الجسم, ورجاحة فى العقل, ولم تتزمر فى يوم من الأيام, وتقبل المكتوب طائعاً كالرجا.. راض بالأمر الكائن الذى يحك جلدك, ولكن الأسرة فى عنقك .
كرر الجملة محددة الأبعاد سراً وجهراً .
… المسئولية مسؤليتك ؟
يرد الواقع.. أجل .
(مؤهل متوسط.. مؤهل عالٍ أنت راشد.. راشد عبد الستار راشد.. فلاح ابن فلاح رحت ولا جيت) .
استكان للكائن, أوهكذا يبدو.
طفى على سطح عقله طيف غريب عن تكوينه الطينى..
سرعان ما انبعثت بقعة ضوء شاردة.. نفذت تلك البقعة إلى أعماق أعماقة.. تمسك بها.. إلتصقا.. توحدا.. صارا شيئاً واحداً.. يصعب الفصل بينهما .
راح يسأل نفسه, ويجيب عليها فى نفس واحد .
ـ ماذا صنعت الشهادات العليا بأصحابها ؟
الجميع يتضور جوعا فى طوابير البطالة الخانقة !!!..
ـ من أين لك بمصاريف الكليات بعد رحيل الوالد ؟.
فلا ظهر يحميك, ولا عائلة تقف خلفك !!!.
فجأة …
ـ أصابته نغزة أعادته إلى نقطة الصفر .
استرجع مدونة مثبتة من قبل مولده على حائط {المندرة}
[دروب الفشل دائماً مفروشة بالنوايا الحسنة, والذرائع الموزونة بالعروض والقوافى تردى صاحبها أسفل سافلين, والوساوس الخناس, والشياطين تكمن فى التفاصيل !!.]
= عليك التروى والتدقيق فيما هو أت يا (راشد) بواقعية !!!.
غرس أظفاره فى لبابة أفكارة الساربة من بين يديه.. لملمها من فوق أرضية الحارات والطرقات.. فردها أمامه على حصير الدار.. فنطها بتؤدة .
ـ الشهادات العليا.. أم التعلم ؟.
ـ أيهما أجدى ؟.
جاءه الرد سريعاً وقاطعاً .. تبسم !!.
تذكر مقولة ” التربى ” الملائكة ستجلس أباه فى قبره هذه الليلة تحاسبه.. تجهم.. انقطع حبل أفكاره.. توجه
مستقبلاً القبله \.. قرأ ما تيسر من آيات الذكر الحكيم على روحه \.. غط فى نوبة نوم عميقة .
ـ صاحت الديكة, وزقزقت العصافير، نفذ شعاع الشمس إلى مخدعة.. فرك عينيه بظهر يديه كأنه يمحو بقعة (زيت بوية) إلتصقت بأهدابه.. سمع صوت أكف ترن بوسط الدار الخارجى تبعها صوت .
{يا ساتر .. يا أهل الله } .
عرف صاحب الصوت.. ناغاه.. ادخل يا عمرو
{ لا .. لا .. أنا جاى أسرح بالبقرة والأتان } .
ـ تلفت فيما حوله.. بحثا عن مسبحة والده التى كانت بين يديه قبل أن يغلبه سلطان النوم .
وجدها تحت جنبه الأيمن.. سخونتها ألجمت لسانه.. لم ينطق ببنت شفه.
قال: هذا تفسير منامى خلال السويعات التى غفوت فيها .
ــ التعلم .. ثم التعلم .. ثم التعلم .
ـ التعلم , مع الإجادة ! ..
ـ الشهادات .. تأتى على مهل !!.
توقف عند مفردات كلمة التعلم .. وجدها تختلف عن التعليم !!.
وجد السؤال يلف فى فضاء خياله, ويضرب حوائط وأركان الحجرة .. صعوداً وهبوطاً .
ما الفرق ؟؟؟.
صمت هنيهة .
= نادى على عمرو ابن خالته.. مثل بين يديه .
سأله : ما الفرق بين التعليم , والتعلم ؟؟.
تعجب {عمرو} !.
ـ أشاح {عمرو} بيده قائلاً : ــ
[الشمس طلعت , وملت الدنيا.. سيبنى أسرح بالبهائم.. الوقت راح.. قدمنا وقت طويل نقعد وندّور على اللى بتسأل عليه ؟] .
ـ خرج {عمرو} قاصداً الحظيرة رأساً.. سحب البقرة وامتطى ظهر الأتان متوجهاً للغيط .
ـ ظل “راشد” فارداً بضاعته على “حصير الدار” يحاجج كل شاردة وواردة حتى أذان الظهر.. خرج إلى مسجد القرية شارد البال مشوش الأفكار لم يرسو على رأى قاطع .
تلقاه إمام المسجد مقدماً له واجب العزاء.. لم ينس “راشد” فضل الشيخ عليه أيام طفولته.
ـ سأله نفس السؤال الذى طرحه على ابن خالته ؟.
تبسم الشيخ إبتسامة مقتضبة.. أجل.. هناك فرق عميق أنت تعلمه.. عندما تتمكن من استرجاعه ستصل لطريقك المحدد !.
رفعت الإجابة عنه حالة الشرود .
فرد ذراعيه للحياة مستبشراً بالغد.. أنا أعلم الإجابة.. هذا ما أكده الشيخ .
ما إن وصل للدار كانت الإجابة تجرى على شفتيه .
نعم.. نعم.. الفرق كبير ؟
خلع بنطاله وشمر عن ساعد الجد.. اتجه ناحية الغيط حيث ميراث الأسرة.. عمل فيها بكل ما تعلمه.. زادت غلة الفدان .

السابق
تواطُؤ..
التالي
ورد أحمر

اترك تعليقاً