النقاش العام

التقريرية، المباشرة، الخبرية

ثلاث كلمات ترد كثيرا على ألسنتنا أثناء قراءة نصوص الققج. لكن للأسف ما نلاحظه أن هناك خلط كبير في هذه المفاهيم الثلاثة لدى غالبيتنا.
و الأسئلة التي تطرح نفسها هنا:
1- هل هذه المفاهيم الثلاثة تؤدي نفس الوظيفة، و لها نفس المعنى كاصطلاح نقدي؟
2- ما هي النقاط الأساسية التي يمكن من خلالها الحكم بتقريرية نص ما؟
3- هل تخرج التقريرية، الخبرية، المباشرة، النص من تجنيس الققج؟
الحقيقة إلى الآن لم نصل لتعريف و تفريق دقيق بين المصطلحات الثلاثة.
و غالب الآراء التي نقرأ و نرى و نسمع حولها ما هي إلا اجتهادات شخصية فقط ليس أكثر للتفريق بين هذه المصطلحات الثلاثة التي بتنا نشاهدها كثيرا في القراءات النقدية لنصوص الققج، و التي غالبا ما تخلط بين هذه المفاهيم، و تارة تفرق بينها لكن دون إعطاء سمات واضحة لكل مصطلح، و لا زلنا ننظر إليها من وجهة نظر غربية، و تنظيرات نقدية غربية، و التي أرى صراحة و بخبرتي المتواضعة جدا، أنها لا تتماس كثيرا مع الكتابات العربية في الققج، و مع اللغة النقدية أو القرائية التي يتبعها أغلب النقاد و القراء و المتلقين العرب حين تقديم آرائهم حول نص ققج عربي.
و هنا سأحاول تقديم رؤية و اجتهاد شخصي حول هذه المصطلحات ربما تساعدنا في رؤية الحدود الدقيقة الفاصلة بينها، و ذلك بغاية أن تسهل علينا استخدامها في قراءاتنا النقدية، بأسلوب عربي غير متكئ على الترجمات و الاجتهادات الغربية.
و هذه المحاولة تعتمد بشكل أساسي على المعنى المعجمي لكل مصطلح، و من ثم اتساق هذا المعنى مع المعطيات القصصية، خاصة فيما يختص بالقصة القصيرة جدا.
بالنسبة للمعنى المعجمي لن أقدمه هنا و ذلك على سبيل الاختصار و يمكن لمن يرغب التزود به الرجوع إلى المعاجم.
و سأكتفي بتقديم التعريف النقدي الاصطلاحي من وجهة نظر شخصية، بما رأيته يتوافق مع خصوصية كتاباتنا العربية.

الخبر:
و يختص بطريقة صياغة النص( طريقة سرد الأحداث) بشكل أساسي.
و النص الخبري هو نص ينبّه القارئ إلى إمكانية تكذيب أو تصديق الحدث.
و لا يعني الخبرية أو الأخبارية أننا ننقل الحدث كما هو، فمن المعلوم أننا حتى في حياتنا العامة و عند نقلنا للأخبار القابلة للتصديق أو للتكذيب، نحاول أن نضفي عليها بعض لمسات الإثارة، فلا ننقل الخبر كما حدث بالضبط، بل إن الخبر يمكن نقله بطريقة الترميز و الإيحاء و أحيانا حتى باستخدام لغة بيانية من كناية و استعارات و……إلى آخره، و ذلك حسب موقع ناقل الخبر من خبره.
و هنا أذكر نكتة تقربنا من فهم هذا المعنى:
حيث طلب ذات مرة من ضابط أن ينقل خبر وفاة والد أحد المجندين لذلك المجند، دون أن يصدمه، فكان أن طلب ذلك الضابط من الجنود أن يقفوا في صفين، الأول لمن آباؤهم على قيد الحياة، و الثاني لمن آباؤهم متوفون ، فوقف ذلك الجندي في الصف الأول لأنه لا يعلم بوفاة والده، فأشار إليه الضابط أن يقف مع الصف الثاني، و بالتالي علم الجندي بوفاة والده، دون أن يصرح الضابط له بذلك مباشرة، و إنما أردت من طرح هذا المثال الرد على من يقول إن النص الخبري أو الأخباري، هو النص الذي يمثل الحدث كما هو، و الحقيقة أننا يمكن أن ننقل الأخبار بأسلوب بلاغي و لكن مع ذلك يبقى الخبر خبرا، و هذا ما قلت عنه بأنه يتعلق بطريقة السرد.
اذا طريقة السرد هي المعنية بالصفة الخبرية بالدرجة الأولى.
و المشكلة التي تعاني منها الققج هي محاولة الكتّاب اعتماد الجمل الفعلية، و الإكثار من الأفعال المتوالية، ظنا منهم أن هذا يقوي النص و يبعده عن الأخبارية، في حين أن الأخبار أكثر ما تعتمد في نقلها على الجملة الفعلية.

المباشرة:
و هي تختص بلغة النص، و النص المباشر هو النص الذي يعتمد لغة واضحة، لا إضمار فيها و لا إيحاء و لا ترميز، و لا صور بلاغية، و في ذات الوقت يقدم قصة دون أن يكون خبرا. لذلك فليست كل مباشرة هي خبر، و ليس كل خبر هو مباشرة، فقد تكون طريقة سرد الحدث بالفعل سليمة من ناحية الحكي و القص، لكنها تقدم قصة بسيطة واضحة لا إضمار فيها و لا ترميز و لا تأويل و لا تعدد قراءات و لا تشرك القارئ فيها، الحدث ينتهي بنهاية القصة.
النص المباشر يترك لدينا فقط قضية التعاطف مع الحدث ليس أكثر، و الذي غالبا ما يفقد بريقه مع الوقت.

التقريرية:
و هي الاصطلاح الذي يجمع الخبر و المباشرة معا أو كلا على حدة، مع تدخل السارد في النص، سواء في إبداء رأي، أو طرح سؤال، أو افتعال نهاية مفبركة، و هو برأيي العنصر الأكثر إضرارا بالقصة، لأنه جمع أمورا ثلاثة:
– نقل النص بطريقة أخبارية.
– عرض الحدث بلغة مباشرة.
– تدخل السارد في النص، فيفقده عفويته.

عموما برأيي المتواضع أن لا شيء من هذه العناصر يخرج النصوص من دائرة القصة القصيرة جدا، لكنه بالتأكيد يهبط بمستواها كثيرا، لأنه يفقدنا عنصر الحكي و عنصر التلقي الحر للقارئ و عنصر المتعة، و عنصر العفوية القصصية المنبثقة من قلب الحدث، و غير القائمة على تدخل السارد في نصه. و ذلك كله طبعا بغض النظر عن انتقاص هذه الأمور الثلاثة لبعض العناصر و الأركان الهامة المفروض تواجدها في نصوص القصة القصيرة جدا.

هذه كانت محاولة بسيطة و سريعة و اجتهاد شخصي، و رؤية فردية، لتقديم تعريف و توضيح لتلك المصطلحات الثلاثة( المباشرة، الأخبارية، و التقريرية) و التي باتت الساحة النقدية و القرائية للقصة القصيرة جدا تعج بها، دون أن تكون هناك رؤية واضحة و دقيقة حول كل مفهوم، بحيث نمزج و نخلط بينها كثيرا بقصد أو بدون قصد، و قد رأيت أنه ينبغي علينا التوقف عندها و محاولة تقريبها لذهن المتلقي و الكاتب سواء المبتدئ أو حتى الممارس، من زاوية نظر نقدية عربية، و بما يتوافق مع لغتنا العربية…علنا نستطيع السير خطوة أو وضع لبنة في جدار نقد عربي حديث قائم على التجريب و التقريب.
قد يستغرب البعض هذه النظرة، لذلك أتمنى بداية تدبرها جيدا و محاولة إسقاطها على النصوص التي نقرؤها، و من ثم فإن باب النقاش مفتوح للجميع.

السابق
القرية
التالي
أخلاق

اترك تعليقاً