القصة القصيرة

التي تعطي العطر

لم يزهر النرجس بحديقتك هذا الموسم، ولم يشكل الياسمين آيات الجمال على شباك نافذتك، وهذا البري الذي حصرت له مساحة في الجانب الأيمن من مدخل المنزل إرتآى الغياب، فلا نعمان بعد هذا القر ولا شقائق له تمتلك في بتلاتها حب التحدي،
الرفاق على صفحات وجوههم كما طبقة من الزيت عطور الشرق، مكي مدني، شامي، وحتى شينوي أيضا واللواتي يتبخترن ينثرنه متفاوت الشذى، متعدد التركيبات، متناقض العبق، ينبعث منهن من اللباس حينا، ومن غدو وانزياح خصلات الشعر آخر، ويا لتلك الخصلات المعدة سلفا لخلق هذا الموقف تحديدا مع إلباس القوام حركات وما هي بحركات ولا سكنات، لكنها تماه مع الفتنة للغواية عن قصد وسبق تدرب وترويض، يعمل فيه الجسد بتناسق تدرك حواء قوة جذبه، ويستلطفه آدم بدهشة مرة، وبالتظاهر بها مرات.

والتي تعطي العطر ليست بذي بعيد، قال الصديق وقد سألته:
مع استقالة حاسة الشم لدي إلا أني أشم فيك رائحة زكية، من أين لك هذا الربيع؟
شوقك وقد استحضر لك مشهدا بديعا ما كنت بخيالك الخصب قد صورته قبلا، فالتي تعطي العطر تجلس على أرجوحتها تدفع بها إلى قدام وإلى خلف برتابة، يسراها على المقعد سندا ويمناها في حيز من الهواء تشكل بسبابتها حركات دائرية تارة ومنحنية أو مستقيمة عموديا وأفقيا تارات، كمن يرسم زهرة، زهرتين، حديقة من الأزهار، وبدلع يقال أنه عفوي جدا يأتي كلامها كما الشعر يحافظ على نوتاته في التغني بالورود ومخاطبة الزبون في آن،
حقيقة ما تقول، سألته هذا الأسمر الكريم
حقيقة حلوة كحلم جميل تتمنى لو يتكرر
قلت أن محلها على بعد شارعين؟
بل قل فصلين، فهذا الشارع جاف كما الصيف لا غدو فيه ولا رواح والذي بعده يتساقط به الهذر كما رذاذ الشتاء.
سايرته وأنت تدرك أن الشاعر يمكنه تجميل الجميل والقبيح أيضا، فلا قبح في قاموس صديقك هذا، دائم التبسم، تتسع حدقتاه كلما خطر لهن طيف أو لاح في عنفوان الشارع وشاح، أو افتك صمت الإسفلت والبلاط وقع حذاء، والأذن التي تلتقط رتابة الوقع لا تخطئ التفعيلات، وقد التقطت لتوها صدى ملامسة سريعة لحذاء أنيق وهو يردد:
خببا ذهبت تمشي الإبل فعلن فعلن فعلن فعل
الوقت الذي أفضى الشارع إلى بنايات مقابلة، سألته:
أين؟
أشار ولم ينطق، ونظرت حيث الأرجوحة في حركة باهتة وتأوه:
ليست هنا
ولجتما المحل
ليست موجودة التي تبيع من على العطر الأرجوحة؟
تقديم وتأخير وارتباك لم يستغربه الفتى بالمحل:
أي خدمة؟
شططا المطلب الذي تقدمتما به في تركيب عطر بمزج متعدد المراحل، وكلما بلغ مرحلة كنتما تشمان القارورة وتطلبان مزيدا من التعقيد.
ودفع بدلا عنك بإصرار:
الشاعر هو من يدفع ثمن العطر
أبقيتها بيدك تلك القارورة بعد أن رششت رذاذا عليه وعليك وأنتما تشقان طريقكما بين المارة، والبعض منهم يلتفت، فقد كانت الرائحة قوية بما يكفي لجذب انتباه من سلمت حاسة شمه من عفونة المدينة وعرق بناياتها، وما كنت لتهتم بتفاعلهم مع عطرك الذي تقبض عليه الآن بإحكام، لكن الذي بخاطرك أن تجد التي تعطيكه حتى وإن كنت أنت من يسلمه لها لتعيده إليك، فلا معنى للعطر مطلقا إن لم يأت من يد أنثى، ولم تطل لا المشي ولا التفكير لما أوقفتكما وقد رد الشاعر عليها التحية قبل أن يرتد إليك فؤادك من جمال الصدفة، بل وسارع أيضا إلى إفهامها بما يدور في خلدك وقد قرأ أفكارك:
نسلمك العطر وتعيدين تسليمه للأستاذ، ليس في الموضوع ريب.
أمسكت برشاقة قارورة العطر، قربتها من أنفها، برفق دستها بحقيبتها.
ستكون هدية مميزة منك أستاذ
قالتها وهي تغادركما وما نطقت أنت ببنت شفة ولا متعبة للسان، لكنه الشاعر:
صدقت، لهن تصنع العطور.

السابق
محكمة
التالي
بائس

اترك تعليقاً