القصة القصيرة

الجائحة

لذتُ بضريح مهجور وسط الاشجار، على مبعدة من المنازل، حيث لن يراني احد، غير مصدق ماكان يحدث.! صحيح، في البداية حسبتُ الامر مزاحا، وظننتُ ان زوجتي تخفي سعادتها بعودتي في مزحة بريئة. لكنها كانت جادة فيما تقول، وصارت تصرخ بصوت اعلى، وتهددني بالاتصال بالسلطة المحلية وابلاغها بالامر، إذا لم انصرف.! كما سمعتها تقول لصغيري الذي اشتقت إليه بحجم عدد الشهور التي قضيتها بعيدا عنه، وخاطرتُ لكي أراه واضمه الى صدري:
– إنه الكورونا هذا الذي يطرق الباب.!
فصحتُ دون شعور:
– كذابة..أنا باباك، ياولدي.!
– لاتصدقه…
ردتْ بصوت اقوى، واضافتْ:
– إنه الكورونا الكذاب يكذب على الاولاد الذين يعلم ان آباءهم غائبين عن الدار، ليفتحوا الباب.!
– وهل الكورونا يعلم أن ابي غائب.!؟
سمعتُ ابني يسأل ببراءة
– طبعا يعلم.!
فصحتُ غاضبا :
– كذابة..الكورونا لايعلم.!
– لاتصدقه..إنه يعلم.!
ردتْ مهتاجة
– افتحي النافذة، ماما، لأراه.!
– سيدخل الكورونا من النافذة.!
ردتْ عليه بنبرة حازمة، فرفعتُ صوتي اكثر قائلا:
– انا باباك، ياولدي، والكورونا لايعلم.!
– يعلم..
– لايعلم.!
صحتُ غاضبا، وخبطتُ على الباب بيأس، فردت علي بحزم وهياج:
– لاتلمس الباب باصابعك الموبوءة.!
ثم اضافت بنفاذ صبر:
– ألاتشاء ان تنصرف، إنتظر إذن.!
فسمعتُ رنين الهاتف، واسرعت هاربا قبل ان يراني احد، وكان مستقري في ضريح مهجور أفترش الضياع وألتحف حيرة قاتلة، غير عارف الى اين أدير وجهي على عتبة ليل بدأ يطمس الالوان تحت معطفه الاسود : زوجتي لم تفتح لي الباب، وتبين أن طلبها مني في آخر اتصال لي بها قبل ان تنفذ بطارية الهاتف، بتاجيل العودة الى البيت الى ان يمر الوباء، ليس خوفا علي بل مني. والعودة من حيث أتيت غير واردة، بعد ان سِرتُ مسافة ايام على رجلي كي ابلغ عشي المرتجى، وبعد ان أُغلِق المصنع الذي كنت اشتغل فيه هناك وسرح العمال بانتظار انجلاء الجائحة. كما لايمكنني التجول في هذا المكان الذي اقترب من ان يصير مدينة صغيرة، وإلا اعتقلوني وأخذوني الى الحجر الصحي، وكيف لا وانا هارب من مدينة موبوءة مقفلة على سكانها، وبعد ان وُضِع عدد من العمال الذين اعرفهم في الحجر.!؟ أشعلتُ سجارة، واسندت رأسي المرهق الى جدار الضريح، انفث مع الدخان شعور غربة غريبة قاتلة في المكان الاكثر ألفة من غيره، في المكان الذي حضن اول صرخاتي؛ وأداري دوارا عاصفا يعبث بعقلي الذي ماعاد قادرا على استيعاب الامر؛ وانظر بيأس الى نجوم هي احلام بريئة جميلة هربت الى سماء بعيدة من ارض يجتاحها الكابوس؛ والليل متمهلا في خطو نعله الحالك وهو يدوس ماتبقى من بصيص ضوء في عيني.! لم يخطر في بالي قط، وانا اغامر لاجل العودة الى العش، أني سألوذ بضريح مهجور، بعد ان أغلِق الباب في وجهي بقفل من وباء.! ظننتُ ان زوجتي ستكون على حاجة إلي في ظرف عصيب لم نخله من قبل، لكن ظني خاب، فانصرفت مهزوما من امام باب داري، وانا ارى حتى جدران المنازل تتنحى جانبا عن طريقي وتكتفي بالتلويح بتحية خجولة لاتستطيع ان تخفي رهابها عن بُعد، وليس الاشخاص القلائل الذين صادفتهم مهرولين الى بيوتهم فحسب، في مكان شبه مهجور.! لهذا سرعان ماطردتُ من راسي فكرة اللجوء الى احد معارفي بانتظار الغد، لقد قضي الامر واندس الوباء بين الناس، واندس معه الهلع في النفوس، فأُقفِلت الابواب وأُغلِقت النوافذ، وسكن الشك المكان في أي شيء وأي كان.! لذلك قررتُ، بعد ان انهيت السجارة، معاودة المحاولة، لعلها تفتح الباب في وجهي هذه المرة.! لهذا تركتُ الضريح، وتسللتُ عائدا الى داري على طرف زقاق تعبره ريح خفيفة وتمر كأنها تخشى ان تهز شيئا من مكانه في طريقها، تحت بصر اعمدة كهرباء تنتصب كعمالقة تنز عيونهم شزرا. لكني، وقبل ان اصل داري، ومن مسافة بعيدة، رأيتُ الباب ينفتح وينغلق سريعا، بعد ان دخل شخص كان يسارع الخطى في الاتجاه المعاكس.! فتسارعت نبضات قلبي، واندفع الدم غاضبا في عروقي، وركضتُ غير عابء بأي شيء الى الباب، لاخبطه بكل ماأوتيتُ من قوة.! كدتُ اسقط على وجهي لما انفتح الباب فجأة، بعد ان ارتطمت به بكامل جسمي، ووقف امامي رجل طويل لم اتبين منه سوى بذلة رسمية قبل ان يعالجني بلكمة مباغتة، رمتني ارضا وافقدتني الوعي.! وعندما استعدته ، وفتحتُ عيني متلمسا المكان، وجدت نفسي على سرير سيارة الاسعاف، فعدتُ واغمضتهما كما للابد.!

السابق
لحظة فرح
التالي
ضَلالْ

اترك تعليقاً