القصة القصيرة

الجرح سر الخناجر

1
صوت أمه:
– عدت أيّها العاق .
مسكت أذنه فركتها جيدا ،رأى نفسه يتقوقع خجلا ،لكنه غادر البيت واتجه صوب الحقل ،وراح يفتش عن أعشاش العصافير ،وقع بصره على أفعوان ،يدنو من الفراخ ،لا يدري كيف وثوب ليقبض على عنقه ،لف الأفعوان على ساعده ،ضرب الذيل وجه حمدان ،ضغط عليه بقوة ،راح يتلوى ،صرخ أحد الفلاحين خوفا :
– اقذفه بعيدا .
أحس حمدان برعب ،قذف الأفعوان ،واندفع الفلاح يهوي بالمنجل على رأس الأفعوان ، قطعه ،علمت والدته بالأمر ،قبضت على أذنه شدت عليها كمن يشد على أذن جدي عنيد. أعلن بداية الخطوبة .لا يدري ما جعله يرى ذلك نهاية وليس بداية.

2
قصة رعب قاحل لسورية آوابد موغلة في القدم ،ولنسورها قنن ولكل الطيور وكنتها ،وللناس أوطان وللنحل خلايا وللفراشات ملاعب ،وللخفافيش من العربان شقوق الجدران المنسية .
-آه يا درة الكون هذا الرعب الذي نحصده من صنع من ولصالح من ؟؟..
-لا قل زرعتم الخير في كل الحقول ،وصنعتم من الشرانق خيوط الحرير وزعتموها على كل العرب حتى أعياكم التعب .
-لكن العرب يحملون رماح الخشب يتآمرون على فرسان الساحة ونحن نسأل ما السبب .
-فساد .
-كلنا ضد الفساد وإنصاف أهل البلد .
-إن نحيا أو نموت ذلك ليس خرقا لقوانين الحياة …أما أن يكون بهذا النزيف بدءا من جبل عامل إلى بغداد وغزة وتونس ومصر وليبيا والقائمة طويلة ؟.
-يا لفرح الصهاينة منذ زمن تخطط لمثل هذه الأمور لعلها تعلن قيام الدولة اليهودية المزعومة ،لكن أيما الحق:
– لو أشرقت الشمس من الغرب ،وحضر الغول والنعقاء والخل الوفي ،لن يفلح الصهانية القدس للعرب .
-إيه …إيه يا قوافل عربان من النوق ضلت سمت الطريق ،ونسيتم البوصلة وطال بكم السفر وانقطع بينكم وبين القدس الوتر ،ضيعتم الدليل بعد أن مهدنا لكم الحفر ،نسيتم حكايات الجدات ،واتبعتم الشقراوات دون خجل ،لكن لعلمكم في جعبنا عناوين الرعد والأمطار وعصافيرنا تعشق ياسمين الشام ،وأعناب سويداء القلب وغار سيف الدولة ،وصرح البتاني ،والجسر المعلق وعين ديوار ،وصرح أبي علاء المعري ،ومدينة أبو الفداء ،وقلعة المرقب ،وشاطئ طرطوس ،وقلعة حمص الذي يطل عليها صرح بني حمدان ،والقنيطرة الصامدة وأبطال الجولان .
-شامنا احتضنت كل أبناء العرب .
-لا يا من يضيعتم سمت الدرب ليس الحرية بالقتل والحرق وتقطيع الأوصال ،استفيقوا العالم مشحونا بتآمر الماسونية داء العصر .
-نحن نطالب بالعدالة والمساواة لشعوبنا ،وليس أولئك الذين يملكون عجولا من الذهب .

3
أرتعش حمدان للمشهد ،الحياة ثمينة ،لكن فلسفة الفراق الأبدي جدير بالتساؤل ،فحسبي أنه بعيد رغم البقاء نسبي والفرق بين الموت والبقاء حروف أغنية نسطرها في الحياة .
كنت أراقب الشاشة ،سألت نفسي :” هل كان يريد شيئا ما الانتحار مثلا “؟.
انبرى النقيض :
-لا …
لا بد لأن تكتب :
– أيها الرجل الحياة تنتظرك لماذا فعلت ذلك ؟.
اضطربت أصابني قلق غريب إذ ليس من سهلا أن يموت إنسان أمام عينيك …أن تلتهمه النار وأنت تنظر إليه ،العاطفة هنا قاصرة عن ردود الفعل والعقل أيضا .ماذا ؟. أصرخ ماذا ينفع الصراخ .
أقول ثمة مؤامرة خطط لها خلف محيطات الرعي البشري .
رأيت أن الصمت أيضا .لا ينفع بل إنه قذر ودنيء .
نقرت الأحرف كوّة صومعتي ،وراحت تنهش ركام الذاكرة ،تدنو كفراشة صوب القبس ،لا أدري أين ستدفعني ،كنت أرغب أن تكتحل عيني برؤية اندحار الرأسمالية المتوحشة أمام الشعوب فهي تهدل فوق رؤوس العربان الذين يعيشون ما قبل دولة فقلت لذاتي :” أيعقل يا آلهة النفط أما حان لكم الرحيل …كفاكم ظلما لشعوبكم “.
سألني النقيض :
-مالك ومال أهل النفط .
– هؤلاء العجزة سيخربون الأرض .
نأت التراتيل عن الدعاء ،وأقفلت أبواب السماء وما عاد عزف الناي لها معنى الغناء .
مللت مشاهدة التلفاز ،قتل في فلسطين وجنوب لبنان في العراق في ليبيا في مصر في سوريا وكل هذه المجازر وراءها الرأسمالية المتوحشة و بياداقها من عربان النفط .
وقف النقيض :
– والفساد ؟.
– كلنا ضد الفساد ,وضد من يدمر الدولة .فهذه الأساليب لا تخدم سوى حكومة اردغان الطورانية والغدة السرطانية .
مشبك الذاكرة معلقا في العراء…حقائب المدعوين والمصورين حتى آخر ورقة من التين ،ظلمة روحي يهيجها الحداء.
قطعت علي عفراء هذه الذكريات ،جاءت من الجامعة مكفهرة الوجه ،سألتها :
– ما بك ؟.
– خائفة .انسحبت من المادة .
– لا عليك .أذهبي مع والدتك وأخوتك إلى بيت جدك لأمك .
لا أدري كيف تراكمت الأفكار في مخيلتي حتى غدت تنبؤاتي كتنبؤات قط بري جاء المدينة في رابعة النهار ،ندهت ضالتي :
-تعالي والقي الحجارة الطاهرة على أعداء الشعوب الذين يدنسون القدس .القبة في خطر .
كنت واثقا أن خيط الحياة مستمر ،وبتلات الياسمين تستقبل ذرات الطلع .
كان الهواء مطعما برائحة الدم ،ودموع الأمهات الثكل تجففها النسمات فكل دمعة تشع بريقا ،لتغدو عاصفة فالأمهات ينثرن جنازات أبنائهن كفلاح ينثر القمح في أرض طيبة ،تسعى جماعات النحل لتجمع الرحيق قبل الإعصار ،ونساء الجنوب في لهفة الانتظار لوضع المواليد قبل الاقتحام .يؤلفن الأغاني للمهرجان ،فيبدأ السؤال سيد الكلمات :
-الموت للرأسمالية المتوحشة .
تجمعت الأحرف فزغردت لها بنات الحقول :
– أيها البحارة …يا من اكتشفتم القارة العمياء ،ألا تعنيكم براءة الطفولة وجياع الشيوخ ،وأنين الثكل كفوا عن البطش في الشعوب ،وإلا سندخل معمدان الموت لتحيا الشعوب بالسلم والسلام .

4
حرك حمدان إبرة المذياع فصدحت أغنية عراقية أعادته إلى ذلك اليوم حين كان يجلس في ردهة البيت وحيدا تلفه الحيرة ,تذكر ذلك اليوم حين قالت جدته:
-سجل الأستاذ اسمك .
– الدوام غدا .
– أنت في الصف الأول .عام 19959
نظر إلى وجه جدته رأى دمعة في عينها ,شعر بألم شديد ,عب ما تبقى من كوب اللبن في داخله .تأتى لسمعه قهقهات الجغمير ،فبدا له الأمر ينطوي على مشكلة.
ثمة أناس يتوسلون الجغمير ،بلغوا من السوء أقصاه .قال سلمون :
– إذا سمعت صياح الخنجر ،فالجرح سرّ الحناجر .
دخل على جدته وجدها تحيك محفظة من القماش ،كانت في نشوة آلامها قال :
– مساء الخير .
بصوت متعب خفيض .
-أهلا …انظر .
-ما هذه !.
-محفظتك .
-لا…لا أريد محفظة جلدية رأيتها مع حفيد الجغمير .
نهضت لتضمه إلى صدرها ,وسرّت لنفسها :”لا…لا نستطيع مجاراة الجغمير المالك الكل شيء ،حتى الدرك يأتمرون بإمرته “.
أدرك حمدان ما يدور بخلدها ،فقال لنفسه:”سأكون حسب ظنها “.
مسحت الجدة على شعره :
-سأرسل خبرا مع أول مسافر إلى لبنان خبر دخولك المدرسة ،وأطلب من حامد محفظة جلدية تليق بك .
وعدته بالمحفظة الجلدية كهديّة إذا ما نجح بتفوق على أقرانه .
سافر حامد إلى لبنان قبل ثورة شمعون وقال لها :
– هديتك من حرير لبنان.
– أكيد من الجنوب .
– علام ؟.
– أنسيت أولاد عمومتك .
– لا …لا كيف ينسى الإنسان أهله .
– انقطعت أخبارهم بعد وفاة جدك .
أصر حمدان على التفوق .تخلى عن اصطياد العصافير طيلة أيّام الدراسة و مازال يحلم بالهديّة .نال الدرجة الأولى في نهاية العام الدراسي لعام 1956 أيّام استشهاد البطل جول جمال في مياه الكنانة.
جاء الصيف ولم يأت حامد من السفر ،ومازال وعد جدته قائما ،فلم يسألها عن الهديّة ,يدرك مدى لوعتها على حامد .استلقى حمدان على الفراش ،وراح يراقب النجوم في جو خانق .كان القمر يلون سطوح المنازل الطينية .وثمة خفافيش تجوب الأزقة بحثا عن طعام ،تمرح من أمام ناظره ,تأتى لسمعه نعيب بومة تبحث عن طريدة في بيت مهجور ،سيان بين فأرة أو سحلية.
ردّد الوادي صدى عواء ذئب ونباح كلب ,قابلها نهيق حمار ,ذكر حمدان بحكاية آتان أبي صطوف ،فضحك من أعماقه:
-إن شاء تعود بالسلامة يا حامد .
تبادر لذهنه حكاية جنية القناة الرومانية ،قالت الجدة:
– كانت الجنية تتقمص الأشياء .
– كيف ؟.
– بزي تراثي قديم ،أو بشكل فتاة رائعة الجمال أو بهيئة ناسك من النساك .
غط وجهه باللحاف بين خوف وجرأة وأسلم جفنيه للكرى ،فحلم واتسع الحلم ،رأى قطاة تحلق فوق الدار تحمل بمنقارها محفظة جلدية يظهر من منه طرف جلبابا أبيض ،أحس بفرح يغمر قلبه فنبت له جناحين ,صفق بهما يشق عباب الهواء ،مقتفيا أثر الطائر ،صفق بجناحيه حتى غدا قريبا من بنات نعش ،فأصبح على مسافة من الطائر انقض بقوة ليمسك بذيله ،ومازال الطير يعلو ويعلو ،انشق الليل عن وميض برق ،تساقط الريش شيئا فشيئا ،ولم تبق سوى ريشة يتيمة يتمسك حمدان بها ،أرتجف هلعا وسأل لذاته:” يا إلهي كيف سيكون حالي إذ ما انفلت الريشة “.؟.
نظر إلى الأسفل رأى البحيرة بحجم سطح البيت ،شعر بالأمان بعض الشيء سرّ لنفسه : ” سيحضنني الماء كأمّ حنون ،لكن كيف أتحمل الماء المالح إذ ما أصبت بجروح “؟!..
تراءت لحمدان صورة جدته مذعورة تسأله :
– يا ويلي !.من فج رأسك ؟.
– ابن الجغمير بحجر صلد .
كانت الدماء تلون وجهه ،أسرعت إلى جرة الملح ،لتضع حفنة من الملح على الجرح .تسرّ لنفسها : ” لا تسأل إذا سمعت صياح الخنجر ،فالجرح سرّ الخناجر “.
فجأة انقطع أمله المعلق بالريشة ،وابتعد الطائر بعيدا ،ومازال يسبح في الفضاء ،وثب صوب غيمة عابرة تدفعها الريح لكن عبثا ،هبط رويدا رويدا صوب الأرض حتى لمس جسده سطح الماء فقال :
– يا إلهي !…أنا لا أعرف السباحة .
ثمة موجات خفيفة تسربل الرمال ،صفعته موجة قوية دفعته إلى عرض البحر ،صرخ :
– لا…لا أعرف أسرار البحر .
غاص إلى الأعماق رغما عن إرادته ،صارع التيار ،يعرف أن الإنسان لا يملك غلاصم ،قال :”إذن أنا على قاب قوسين من الموت “.
انتظر صامتا ،تأتى لسمعه صوت من الأعماق :
– صلي لله .
– كيف وأنا في عمق البحر ؟.
– أنسيت النبي يونس ؟.
– أتريد أن يبتلعني الحوت ؟!.
– أليس أفضل من تبتلعك حيتان اليابسة .
– لا …لا أبدا لا وجود لها في الأرض .
– على أي أساس بنيت فكرتك .
– كل كائنات اليابسة ذات رئة .
– هل نسيت الجغمير ؟.
تهالكت قوة حمدان من شدة التيار ،دنت منه سمكة ملونه ،وثب إلى ظهرها طوقها بذراعه ،شقت عباب الماء كانت حذرة من أسماك القرش ،كان خائفا من الهلاك ومندهشا من عالم البحر .سمع ضجيج الأعماق الصاخبة ،ازدحم القاع بعالم البحر ،جاب مملكات المرجان ،عبرت السمكة أرجاء البحر الواسعة بحثا عن مكان آمن لتضع بيضها ،مخرت الأبحر الخمسة قذفته في كهوف الجن ورحلت دون كلمة وداع .تعيش جنيات في عالم البحر ،أحب إحداهن .كانت تخرج كل ما طلبها ،لها حضور كحضور الومضة ،كانت الجنية تقتفي أثره ،وقفت أمامه :
-ألسنا أفضل المخلوقات ؟.
-هناك من تزعم أنها الأفضل .
-حسنا …من تكون .
-عروس البحر .
-أهي أفضل من بنات الجن ؟.
-لا…لا أعرف .
-لحظات وأعرف .
-كيف ؟.
-سأسأل ملكة الجن .
-أليديكم ملكات ؟.
-مثل كافة المخلوقات .
تذكر جني فدعان الأصفر:
-أرجوك أن تسأليها عن جني فدعان ،هل هو حقيقة.
التفت حوله لعله يطلب النجدة فقال :
– قرب الأجل .
سار تحت الماء وظله إلى جانبه ،جاب مسالك البحر ،هرولت الأشباح خلفه دوى صوت الجغمير ومن خلفه فدعان وحنوف ،فجأة بسط دلفين ظهره تولته الدهشة وهو يمتطي ظهر الدلفين الذي قذفه إلى رمال الشاطئ .علت جلبة اليابسة ،تكور على الرمل .سمع أصوات بشر ،استنجد بهم:
-النجدة …النجدة .
– من أنت .
– حمدان .
-أين كنت .
-أبحث عن ضالتي في عالم المدارات .
-هل نسيت جدتك ؟.
– أنسى كل شيء إلا وصيتها .
-حقا ؟.
– بلى …أن أكون حريصا على ثمرات الأمّ الطيبة .لأنها منحتني الحنو والحياة .
– حسنا …وماذا عن أبناء بجدتكم ؟ .
– تغيرت النفوس .أجيال مضت ،ونحن نطوي الأيّام ،نجري صوب القادم الجديد .
– أتقصد الألفية الثالثة .
– أجل …
– أرى في وجهك لفحة الحرب .
-بلى …ولن أكتمك سرا .أن الضباب الحضاري ،يحجب عنا سير القفزات بين حرب الخوف ،وخوف الحرب ،من الواضح ستنتصب أمامنا خطر القنابل الذرية ،والنترونية ،والجرثومية أيضا .ونحن في العقد الأول من الألفية الثالثة .
ضحك أحدهم متسائلا :
– حسنا …من أين لك بهذه الأفكار ؟!.
– أليس الإنسان وضع نظريات تسهم في قتل الإنسان في قلوب البشر ،وساهمت هذه القنابل في القتل الجماعي وخصوصا الإدارات الأمريكية ،أليست هي من بنت مجدها على رفات الهنود الحمر ،وألقت قنابلها الذرية على ” هوريشيما ” واستفردت بالعالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .
ارتعدت جنيته :
– ماذا جرى لبني الإنسان عرفته لطيفا شريفا ،هل استهوته المطامع ؟.
-أجل غمرته العظمة .
– تعال معي إلى عالم البحار ،هناك لا توجد وحشية .
– كيف ؟.ألم تأكل الأسماك الكبيرة الأسماك الصغيرة ؟!.
كانت جنية الكهف تصغي للحوار ،فانبرت ،تضحك ملء شدقيها :
– تعال معي إلى عالم الكهوف حيث الحياة والعودة إلى حالة البشرية الأولى .
كان يكتم غيظه ،وأمام ناظره أفعى الاحتكارات تطارد الشعوب تقتلها تسلمها لحالة الرعب الدائم .
صرخ بجنون من يشرع لحياة شفيفة نظيفة عالمها
علم الجمال :
– لا…لا أبدا أنسيت الوباء الذي كان يفتك بالإنسان ،ذلك ليس بأقل خطرا ،عمّا يجري على ساحة الصراع ،وما على الشعوب إلا أن تهب كالإعصار بوجه الاحتكارات .
فلم يسمع إلا صدى صوته يتلاشى ،فأقسم أن لا يلقي قلمه حتى يثقب عالم الرمل والبحار .
قهقه الرجال:
– من أنت ؟.
– أنا إنسان كره الحماقات البشرية .
حملوه دون أي اعتبار إلى حاوية القمامة ،ثم ألقوها في البحر .
تناولته عروس البحر :
– هل تشكو تعبا .
– بعض الشيء .
– أعتقد أنك مخلص .
– جئت لأسألك عن عالم البحر .
– معرفتك لن تغير شيئا .
– لنحاول اكتشاف ما نستطيع .
– تعال معي .
أرهف سمعه لأدنى صوت ممسكا أنفاسه ، تراقصت في مخيلته الصور كأمواج حزينة قال : ” أي نفع أجنيه من البحر ” .
رقص مع الحورية رقصات رائعة.
قالت:
– أهلا …بك يا زوربا الأعماق .
أدرك أنها ستتركه وتهرب ،وثب إلى الصخرة ،فاستيقظ مرتبكا تقبض يده على وسادة صنعت من ريش العصافير .
تدفقت الأفكار في وعاء ذاكرته ،جاس بصره في الأشياء بدت حلقات متلاشية ،غاص في طيات الحلم ،لم يكن يعرف المدينة حتى بلغ الحلم ،داهمه شعور غريب عندما دخل أزقتها أصيب بالانبهار والدهشة ،وراح شيئا فشيئا يزيح الطفولة ،يرميها على أطراف البادية ،لم يفه بكلمة حين رأى الشمس تمشط شعرها ،تلوح بحبالها كأنها تودع خرافها عند غدائر الغروب ،فاستعجل الصعود إلى الأشجار ليأخذ أفراخ العصافير من أعشاشها ،ظفر بما لم يحلم به ،انكفأ يبحث عن شيء قال لنفسه : ” لا معنى للحياة بلا عشيقة “.
دار حول قلعة حمص مرات ومرات .كان رأسه شامخا ،وعيناه معلقتان بذروة القلعة ،جلس قربها لدقائق ،أدرك أنه تأخر بالعودة إلى البيت ،فسرّ لنفسه:” يا إلهي !…كيف سأكتب وظائفي ،وأحفظ دروسي “؟..
حث خطاه صوب بيت يشغله بطريقة الإيجار مع أثنين من أقرانه في المدرسة ،مثله في الصف الأول الإعدادي ،تذكر قول والده حين دفع أجرة الشهر بعد أن قسم المبلغ على ثلاثة ،قال لصاحب البيت :
-خمس ليرات أجرة شهر أيلول .
ثم تابع :
-وبداية كل شهر أرسل لك ما يترتب مع سيد .
وقبل عودته إلى القرية انفرد مع ابنه حمدان ، وضعه في حقيقة الأمر ،ربما هذه الحقيقة لم يدركها حمدان في بادئ الأمر ،هزّ حمدان رأسه :
-سأكون مجدا في دروسي عهدا قطعته على نفسي أمام جدتي أمّ حامد .
قرعت جارتهم باب الغرفة الخشبي فأيقظته مع خيوط الفجر :
-حمدان …حمدان .
قذف اللحاف برجله ،أسرع إلى الباب فتحه :
-صباح الخير يا خالتي .
-تفضل صحن اللبن .
-شكرا …
أيقظ رفيقيه ،قام كل منهما بواجبه ،تنظيف الغرفة وأعداد الشاي ،وضع الفطور ،عبر الشارع ،اكتشف جنس آخر يرافقه في الطريق إلى المدرسة ،كن ممنوعات من التكلم مع الآخر ،لجأ إلى السرية ليحظى بلقاء مع بعضهن ،سهر الليالي يخط رسائل الغرام ،يرميها أمامهن لعله يحظى بمن تأخذ أحدى الرسائل ،لتقرأ بين السطور شوقه إليها ، تمنعهن عيون الطرقات من النظر إلا لأقدامهن ،كلما توغل في أحياء المدينة يواجه بالصدأ ،بحث عن معنى آخر للحب ،اكتشف أن سكناه تحت ظلال الحرية ،حاول اللجوء إلى الظل فلم يصل كان الطريق صعبا ،وكانت الوحوش كثيرة ،فراح يبحث في شعابها ،يتوه أحيانا ،فيعود من حيث جاء ،ثمة شاخصات على المفارق ملونة بالغرائب ،اكتشف أن للحرية طريق واحد ،فسلكه ،وهيهات أن يعرف السالكون بعدهم وقربهم من الحرية ،كان جده يركض وخيول التتار والعباسيين تركض ورائه ،القوا القبض عليه ،سلموه للأتراك ،وراح يركض ويركض حتى وقع بين فكي الفرنسيين ،لاحقته آلياتهم من جديد ،فسلمته لبني أمه ،فتوهم الوصول إلى صارية الحرية ،وجد نفسه يعرج على أبواب الشام ،فأخذ يتغنى بمجد بابل وعشق عشتار ،وقوة جلجامش ،فجأة اكتشف أنه بين الأفاقين:
– خدعوك يا جدي رحمك الله .
لجأ حمدان إلى نهر العاصي ،اغتسل من مياهه العذبة ،نفض الغبار عن ثيابه ،فاصطدم بأول نيزك يخرج من الأرض ،يطوح بها .
حاول الهرب من معالم كان يرسمها بني أمه للمرحلة القادمة ،وقف صديقه ” معن ” وسأله :
-إلى أين ؟…
-لا أدري ..
-ألم تر بصماتك في الطرقات ؟.
دعاه إلى منزله ،فلبى الدعوة ،تعرف على سلمى التي رحلت مع والدها إلى دمشق ،كان سيرحل وراءها ،قضى والدها ،ولم يبق لها سوى شقيقها معن ،ووالدتها الموظفة في أحدى دوائر الدولة ،باعت المنزل وابتاعت بيتنا في الأزبكية لتعيش فيه مع ولديها .
أحب حمدان سلمى ،وجد نفسه يحيطها بالحماية ،طبعته بصمات الحب بطابع جديد ،فتحت سلمى أمام ناظره الرؤيا ،أخذته إلى فلول جديدة ،خالها الخلاص ،اندفع بموجب حبها إلى التحصيل العلمي ،حسبه أن العلم أحد أبواب الحرية ،رحل إلى أماكن أخرى في الأرض ،جرى وراء العلم إلى أوربا.

السابق
البيت والريح
التالي
أعْيُنٌ

اترك تعليقاً