القصة القصيرة

الجـبيرة

صيحات تتعالى هناك ..
بالقرب من شاطئ النهـر ، و صوت ارتطام يسكن فى صدرى ..
الصيحات يقـترب طنينها من أذنى ..
أكاد أميز مقاطعها ..
صوت يصرخ خلف النوافذ المغلقة .
“أنا الجانى !!
يتردد ..
لا !! لا !
أنا المجنى علـيه ، بل الجانى !!”
وسط نوبات الغثيان و الجلبة رفعــت عن رأسى غطاء الشتاء الثقيل ..
خفت أن أفتح شباك غرفتى السميك المطلّ على ماء النهر الجارى ..
فتحته ليغرقنى هول المفاجأة ..
آثرت الخنوع في فراشى وحدى ألعق بقايا خيط أحلامى الغاربة .
قلت :-
بعد قليل ستسقط الأخبار كلها فى حجرى ، فامرأتى لا تطيق أن تغلق مفاتن مبسمها الثرثار ساعة من ليل أو نهار ، و قرون مسامعها دائمًا تنتشر فى الاتجاهات الستة ..
لا تقنع بما لديها من أنوثة طاغية أو أخبار خاصة .
كثيرًا ما تـثرثر فى الفضاء البراح من حولها .. تلوك الحرف الواحد عدة مرات .
الصيحات تـتدانى أكثر من باب منزلى ..
وقع الطرقات الخشنة تزيد وتيرته على وجه الباب الكبير ، أحكم إغلاق الملاءة حول ساقى المجبورة منذ زمن بعيد .
من ياترى القادم ؟
الجانى ؟
أم المجنى عليه ؟؟
لا تسعفنى الذاكرة ..
غير أن الهوى لا يحده مكان و لا جدار ، و لا يمنعه باب موصود .

***

(أوكرة) باب غرفتى الصدئة تئن تحت قبضة الآتى ..
ــ ترتجف مفاصلى ــ
ينفرج الباب رويدًا رويدًا .
أفرك عينيّ بكلتي يديّ المعروقتين .. تسيل الدموع على وجنتيَّ الهزيلتين .
أعتدل فى مرقدى ..
الباب يطل منه وجه جديد .
أشعر بشىء من الأمان .
الوجه الذى أطل من الباب أكاد أألفه .
أجزم بأنى رأيته من قبل ، و لكن ليس بهذا الشحوب . الوجه الذى رأيته من قبل كان ممزوجًا بحمرة داكنة كحمرة الفرن وقت اشتعاله ..
مددت يدى اليمنى نحوه كى أطمئنه بالمصافحة .
ارتعدت فرائصه .
إزداد خجلًا ..
على الفور سحبت ذراعى و دسسته بالكامل تحت الغطاء الثقيل ، و أغلقت فاهى حتى لا تتوه عناوينى .
بينما كانت امرأتى قابضة على عنق الفتى بإحكام ..
ــ أجل .. إنه الجانى الذى كان يصرخ بالخارج !.
ــ من قال له أن يصرخ عند النوافـذ المغلقة ؟!
ــ من قال له أن يغوص فى ماء النهر عند اشتداد جريانه
فى هذه البقعة بالذات ؟!
ــ ألم يعلم بأن هذه البقعة من الشاطئ موقوفة على الأحباب ، و أن البدر لم تكتملْ بعدُ استدارته .

تنهد الفتى تنهيدة ملأت فراغ الحى بأكمله و أَضْفَت عليه سحابة كثيفة من الحياء ..
لم أستطع معها اكتشاف معانى الكلمات .
بعد انقشاع السحابة الكثيفة عن عينيَّ ، و انتظام النبض فى عروق و شرايين الفتى لمحت على مدى بصرى المحدود وحيدتى (فاطـمة) متكئة على وسادة خلف الباب
الموصود .
عيناها الزرقاء لا تستقر فى مكان ، و عرقها الضخاخ ينفـر ..
يزداد خشوعًا ..
تلمست أطراف الجـبـيرة المعصوبة حول ساقى المدفونة تحت غطاء الصيف الرقيق ..
وجدتها لم تزل تحمل شحنة من دماء شبابى الساخنة ..

***

فى زحمة الألوان المتلاحقة على وجه الفتى التائق للوصال الحميد .
ــ خـلـيت بينى و بينه ..
اشتـقـت كثيرًا لدفقة دماء ساخنة من أيام شبابى ، و رجع الصدى و المجادلة ..
بحثت فى كل الأركان عن حروف الاعتذار ، و علبة سجائرى ..
لم تطعنى التعللات المستهلكة ..
تذكرت أن الأطباء قد منعوني منها منذ يوم ولادة وحيدتى (فاطمـة) ..
انتظرت قليلًا ، و أناملى تعبث بشاربى و لحيتي (الدوجلاس) و سماع مخارج ألفاظ الفتى من جديد حتى تعود لى ذاكرة الكلام المرتجل .
جمعت بمفردات حروف كل القواميس التى كنت أجيدها خلف مكتبى الوثير فيما مضى ..
تهلل وجها امرأتى و ابنتى خلف الباب الموصد بشرًا عندما وجدت بداية الكلام المفيد .
اسمك ؟
و سنك ؟
و محل إقامتك ؟
لم أمكث كثيرًا مع الفتى البارع فى مخارج الحروف و الظروف كلها .
تعالت الصيحات بداخلى ، و جرفتنى أنوار (الكوشة) المشدودة عوارضها على شاطئ النهر أمام البقعة من شاطىء النهر الجارى الموقوفة على الأحباب .
بينما كانت امرأتى تمارس أنوثتها الطاغية على كل المدعوين فى عشق غريب ..
هذا القمر …
عريس ابنتى (فاطمة) ست البنات .

السابق
المكان الخطأ
التالي
ثبات غزَّاوي

اترك تعليقاً