القصة القصيرة

الجنية والبنطون الذي لن يأتي

بدأت الشمس تخفض هامتها وتتوارى خلف الأفق البعيد رويدا رويدا، تغشت الظلمات والرهبة المكان فزادته غموضا وسحرا .. وذلكم الشط الرملي المترامي … الأمواج الساكنة … الشجيرات المتناثرة وهذه الفتاة الحسناء التي استكانت بجواري لا أدري لها كنها.
غياب الشمس وهبوط الظلام أخذا مني بقية أمل في أن أعبر إلى الضفة الأخرى من النيل الأبيض، أسقط في يدي وأنا الغريب القادم من جوف المدينة المصطخب اللاهث، هاربا إلى ريفها الساكن الوادع، وقد غدوت أسير الضفة الشرقية للنيل وحنيني يغالبني ويشدني إلى الغربية منه وقد ضمت إليها حبيب.
فالبنطون لا يعمل ليلا وإن رام فلا قمر يضيء له الطريق، إذن هو المبيت إلى الصباح في رحاب لا أعرفها ولا تعرفني.
أأفترش هذه الرمال؟! .. ولكن ماذا عن حوريات النهر ـ وماذا عن سحرها وألقها الأسطوري.
والناس في بلدي لا يفرقون في التسمية بين النيل والبحر ـ فيقولون للنيل الأبيض بحر أبيض .. فجلهم ــ والأنهار العذبة تجري من حولهم ــ لم ير البحر …. وقد قالوا لنا أن الحوريات تخرج من البحر .. فلعله بحر أبيض … ولعلها تكون بيضاء وقد أخذ اسمه من وصفها.
وماذا عن هذه الفتاة الغامضة؟!! التي أرخت الليل على مقامها لا تتزحزح قيد أنملة .. أتكون واحدة منهن .. ربما .. فلو أنها بشر .. لاستبقت الظلمة إلى وكنها ولاحتمت بدارها وأهليها .. بدلا عن جوار غريب عابر وليل مطبق وشاطئ أخرس.
ثم التماسيح .. لماذا لم يدر بخلدي هذا الأمر وأنا استلقي على رمال هذا الشط المتربص .. وبحر أبيض هو من يحمل في جوفه خطرها .. لا الأزرق .. فالهدوء والاندياح سمتان ملازمتان له .. وهما توفران للحيوات بغيتها ..
لعل استكانة الفتاة وهدوءها .. هما اللذان جعلاني لا أهبهُ لما هو في جوف النيل… فهي حتما من البشر .. وهي من الناس الذين يألفون هذا الشط ويألفهم
شغلتني الفتاة …. بدأت ألاحظ عليها إصرارا على انتظار المجهول، كانت ساكنة كسكون الأمواج، تطوى سرها كما النيل الماثل أمامي، فهما قد اجتمعا عليّ في تلك الليلة ليحيلا انتظاري للبنطون .. رغبة ممزوجة بالسحر وبالخوف.
أطلت صلاتي وتسبيحي ودعائي حتى امتزجت الألوان أمام ناظري .. وتلبست الأشياء مرأى الأشباح، وما إن مسحت الرمال من على صفحة جبيني ونفضت يدي، حتى سمعتها تقول لي: أما قنعت؟ ….!!!!!!!!!!!!!!!!
ـ قلت: مماذا ؟….
ـ قالت: من مجيء البنطون.
ـ قلت: قنعت .
ـ قالت: هيا إذن معي ..
ـ قلت: إلى أين؟!!!! ..
ـ قالت إلى البيت !!!!!!!!!!!!!!!!!..
أصبحت رأسي كبيرة وأقشعر بدني .. أمن الخوف أم من الاستغراب أم المفاجأة؟!! … لا أدري .. لكني سكت، لا أدري ما أقول … وأنا أنظر إليها … بحثا عن مرامها وجوثا في بغيتها، ولكنه الليل لا يكشف له ولا معه سر.
أردفت وبلهجة قاطعة حاسمة: “والله إن لم تمش معي الأن، لأبيتن معك هنا وأتوسدن معك هذه الرمال” ..
تهديدها كان حاسما وقويا لدرجة أشعرتني بالأمان وجعلتني استحسن الفكرة وأنا الذي كنت أفكر في العودة إلى القرية التي تقع خلفنا على بعد كيلومتر أو يزيد ومن ثم المبيت في معية رجال الشرطة … فالقرية لا تعرف النزل ولا الفنادق والمبيت بمركز الشرطة كان هو الخيار الأفضل، وإن لم يكن الوحيد، فبيوت القرية تهش للقاء الضيف والترحيب بالغرباء.
ولكن ماذا عن أهلها وقد جاءتهم بنيتهم تجر بحبائلها غريبا لا يعرفون له سمتا ولا طويه ..
توكلت على الله .. ثمّ ألقيت بأسئلتي على قارعة الطريق …
أخذت حقيبتي وتبعت الفتاة الصلدة ذات العشرين عاما وأنا بين التوجس والأمل .. فزداني دأبها ومضيها ـــ وهي تخطو بخطوات مسرعة أمامي إلى خارج حدود القرية ، حتى صارت كهاربها تتلألأ من بعيد ـــ خوفا وتوجسا …
سألت نفسي لوهلة وهي تبتعد بي .. أأنس هذه أم جان؟!!! .. ما هذا الذي تفعله يا متهور .. ما الذي أنت مقدم عليه؟!!
ولكني وقد أوكلت أمري لله وتقينت من صدقها وسيطرة عزيمتها .. مضيت خلفها لا ألوي على شيء تاركا لها العنان .. لنصل إلى مضارب لبدو رحل من أصحاب المواشي كانوا قد أقاموا نزلهم وأناطوا رحلهم في خلاء يبعد ميلين عن حاضرة المكان.
ـ صاحت البنت: هوي (يابا) عندنا ضيف.
ـ جاوبها في نسقٍ بديع صوتٌ واثقٌ قائلا: حباب الضيف.
أتي الشيخ هاشا باشا وأخذني إلى مظلة منسوجة من خشب بري وحبال من الجلد، شيدت بحيث تُظلّ فقط من يرقد على المهد الذي تحتها …. وقد كان سريرا خشبيا له أرجل غليظة ضخمة وضع عليه لحاف مفروش بعناية، أناقته لا تشبه الترحل خلف الأغنام ولا تتزيأ بقساوته.
وضعت حقيبتي (السموسنيات) تحت السرير وجلست عليه، والهواء الطلق يغمر المكان من جهاته الأربع …. حيث لا جدار يمنعه .. ونظرت إلى جانبي فرأيت كلبا ضخم الجثة جاث يغط في نوم عميق .. وتطلعت إلى السماء .. فنظرت هليلا يكاد يتوارى خجلا ونسق من النجوم تسبح في بحر خضم من اللألاء.
جاءني الرجل بسجادة وإبريق ماء، فتوضأت وصليت العشاء لأجد بجوار سريري منضدة عليها عشائي .. لبن بعصيدة من الدخن ووعاء به ماء .. أكلت وشربت هنيئا مريئا ونمت نومة لم أنم مثلها من قبل …
فأمان الله وحفاوة هذه الأسرة ومرابطة كلبها قرب سريري وهذا الهواء المنعش الطلق .. تجمعت كلها لتهدهد وتربت على سريري فنمت ونمت .. ولم أستيقظ إلا والرجل قد أحضر ماء الوضوء لصلاة الفجر ومن بعده الشاي والبسكويت .. فحمدت الله وشكرته على نعمته وشكرت رب الأسرة وودعته وتأهبت للمغادرة فإذا بالبنت ومعها شابان يقبلان نحوي .. البنت جاءت لمواصلة رحلتها التي انقطعت .. أما الشابان فقد جاءا لحمل حقيبتي ومرافقتي حتى مقصدي .. وكانا قد جهزا مركبا أقلنا للضفة الأخرى ثم سارا بي نحو من خمسة كيلومترات وهما يتبادلان الحقيبة الثقيلة دون أن يسمحا لي بحملها حتى أوصلاني إلى بغيتي ..

السابق
وعيد
التالي
هموم حارس

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

اترك تعليقاً