القصة القصيرة

الجِنية

تأخرت بالقرية إلي الساعات الاولى من الصباح، كنا ندخن السجائر اللف ونشرب الشاي المغلي ونتحدث أحاديث شتى عن القرية والعفاريت في قهوة صغيرة مضاءة بلمبة كيروسين وهذا قبل دخول الكهرباء إلي قريتنا النائية في اقصي صعيد مصر، وكنت قد تجندت بالجيش وهذه اول اجازة لي، فقضيت هذا اليوم مع الاصدقاء من أهل بلدتنا، وعند منصف الليل أخذ الاصدقاء بالأستأذن واحد تلو الاخر، حتي لم يبقى غيري وصاحب القهوة الرجل العجوز أحمر الوجه، فأعطاني سيجارة محشوة بالحشيش كنوع من الضيافة والاعتزاز بي، وما إن انتهيت من تدخينها حتى بادرني بالقول هيا بنا لقد تأخر الوقت.
كان سكني يبعد عن القرية بضع كيلو مترات وسط الحقول، وكان الطريق من القرية إلى بيتي لا يزيد اتساعه عن المتر محاط بعيدان الذرة من الجهتين كثعبان من كثرة التواءاته يكاد لا يظهر حيث عيدان الذرة تتمايل وتهتز مع نسمات الفجر وتقترب رؤوسها من بعض كأنها تتهامس .
سكون لا يقطعه سوى همسات هيدان الذرة وترحيبها بنسمات الهواء، في منتصف الطريق وجدت أمامي حمامة بيضاء تسير أمامي بلا خوف مني، لماذا لا اصطادها وتكون وجبة عشاء لذيذة يكسر فقر هذا الزمان من ستينات القرن الماضي، كلما اهم لضربها بالعصا التي معي لا تصيبها، ثم تركت الطريق الضيق إلي حيث مزارع الذرة، قلت “لن اتركك حتي اصطادك ونسيت كل ما حولي ونسيت الليل الذي يلملم ذيله مهرولاً لعالم أخر، فلم أعد أفكر إلا بها، حتى وصلنا اسفل مجموعة من اشجار النخيل حيث يزيد علي ظلام الليل ظلام ظلها الذي يخفي النجوم نظرت إليها فوجدتها تحولت إلي فتاة غاية في الروعة والحسن ذات ابتسامة خلابة تشير لي بالاقتراب، وقبل أن أبادر بالذهاب إليها تذكرت كلام الصحاب علي المقهى الريفي البسيط عن الجِنية التي تخرج للناس وتغويهم حتي يقتربوا منها فيصابوا بالجنون أو يختفوا”
هرولت بأقصى ما لدي من قوة في اتجاه منزلي تضربني عيدان الذرة واضربها إلي أن وصلت إلي باب منزلي والتقطت أنفاسي، وقلت لنفسي لابد أن تهدأ، كيف تحكي لهم بالنهار عن شجاعتك العسكرية وتفتخر بشاربك رمز القوة والرجولة وتخاف من عفريت. أجل هذا لا يصح.
عدلت من ملابسي وهندامي وطرقت الباب مع صوت كحة عالي مصطنع، وجاءني صوتها من داخل الكوخ الذي يطلق عليه مجازاً بيت، ايوة. حمدالله علي السلامة. العشاء جاهز، لقد ارسل لنا والدك زوج حمام فطهيته وانتظرتك . فابتسمت مغمغماً بصوت هامس “ما أحلاها لولا أني اخاف الجنون”

السابق
ابن عيلة
التالي
رفيق

اترك تعليقاً