القصة القصيرة

الحـــــواة

حقًّا ..
كنت قد حطـمت جهـرًا كل أقلامى ..
محبرتى .. ريشتى ، و ألوانى ..
و انتهيت بإسـالة كل ما تبقى من مداد عمرى اليابس فى سراديب غيظى المتسامى ..
و احتضـرت …
فالأقـزام الآن يتنطعون في كل المجالس و الدواوين المزورة ، و على كل النواصى بامتداد الوطن ..
و يـتشـدقـون على حبال السـيرك المشدود فوق الظهور العـارية و البـطون الخاوية داخل البيوت الخربة ، و يملأون الفضاء بأقـوال و نصائح عفا عنها الزمن رغمًا عنا .
و أسـلـمت للـصـمت و المجـهــول كل ما تبقى من مروءة كانت مخزونة عندى ، و كحلت عـينى و ليلى بمفردات شتى سمعتها ذات يوم على ألسنة رجال كثيرين خضبت دماؤهم كل شبر في ربوع بلادى منذ القدم و حتى اليوم .
ــ رجال بحق ــ
كانوا يجمعون التوكيلات من المقهورين و المظلومين لمحاجاة المحتل الحجة بالحجة لضمان العيش عيشة الكرماء فى أوطاننا ، أو الموت الزؤام .
عندها كانت أسراب الحرية الكامنة بحلقى الدامى تئز ضلوعى الملتوية تحت حكم قوانين وضعية ثابتة للنواح
المرير المتصل ..
و كنت قد أثلجت صدرى بالحكايا القديمة التى حفظتها عن ظهر قلب عن جدتى العجوز ذات نهار بالصبر و السلوان على جار السَّوّ حتى يرحل أو تأتيه مصيبة تأخذه بعيدًا عنا ..
و سلوت إعياء نفسى العليلة ببعـض آيات الذكـر الحكيم ، و اسـترحت من ألاعـيـب الحواة السود .
فالأحـداث كلها تمضى فى خطوها الرتيب كالمعتاد منذ القدم و حتى الآن .
لا تتوقـف للحظة عن المسار المعوج ، و لا تنحنى أمام الأعـين التى أدمتها كثرة العـويل و النواح .
الأبواب جميعها مغلقة ..
لا جـديـد …
الشوارع كالشخوص المفرغة ، تتبرأ من عابريها قبل الغروب لما بعـد الزوال بلا مواربة بتبجح غـريب ، و الآباء و الأمهات يركضون فى كل اتجاه ..
أقدامهم غائـرة فى الوحل فراسخ معدودة ، و رؤوسهم لا تعلو عن مستوى الارض أبدًا ناحية السماء ..
تارة تجدهم منكفئون إلى الأرض ، و تارة أخرى يبصرهم الرائى منكبون تحت الأقدام ، لايصلون البتة إلى شىء .
أياديهم دومًا ممدودة كجريد النخل العاقر طوال الوقت ..
تسأل جريد النخل الطارح قطرة من ماء سارية برطبها اليانع ، أو لمسة حانية فرحة من أنامل أيادى جامِعِيه .
ينزفون الدماء الزكية و يصرخون مِلْءَ الأرض و السماء :-
“(الرُطب) الذى بين أيديكم أبدًا ما كان له أن يصل إلى أيديكم دوننا ، فنحن لنا ماض تليد يتحاكى به كل من فى الشرق و الغرب على حد سواء بكثير من الإباء .
فى حين أننا نرضع أطفالنا رجع الصدى الآتى من تأوهات الأزقة و الحوارى و الغيطان البوار ، فلا استقامت أبداننا يومًا ، و لا زادت قبورهم قدر ملليمتر واحد طولًا و لا أقل منه اتساعًا .
و الساقطون السائرون فى بلادتهم خلف سادتهم كل الوقت يطربون لنبش القبـور المكتظة بجماجم الصرعى الفقراء فقط من دود الأرض الشغال ..
و هم يستكثرون على بقعة الضوء الهاربة من بين أكف ساداتهم و المنعكسة على الكريستالات اللامعة فى الثريات المعلقة بغرفات القصور الرئاسية و من يدور فى فلكهم أن تصل للأعين المهدودة و الأيادى المجهدة على الدوام .
فى حين أن أجسادنا المتكورة مسجونة فى جراب حواههم السافرة بألف رباط ” .

بصعوبة بالغة التقطت بعض الأنفاس غير المعطوبة كى أصف لكم بعض المشهد ..
كتل من البشر متراصة تنتشر هنا و هناك على امتداد السـاحة بطول و عرض البلاد ..
حلقات متداخلة من دود الأرض المقهور ملفوفة فى صفوف عدة حول الساحات المنتشرة بميادين الوطن ..
دقات تخرج فى رتم واحد .. لكل من في وسط الحلبة .. صوت يتعالى من أحد الحواة بمنتصف الحلبة :-
(هـيلا هُوب .. هـيلا هُوب) !!
(جلا.. جلا) !
(عشرة يكتفونى) !!
أطرُوحات يسبقها طرح آخـر بطول الأرض و عرضها ، و كأن الدنيا لا ترسو في مكان واحد …
ضحكات عجفاء لا تسمن و لا تغنى من جوع تتبعها حـيـل شتى ..
من يقف وسط الحلبة يتمايل كالليل القابع خـلف جبال الظلمة و يواصل الهـتاف بصوت مشروخ :-
(هــيلا هوب .. .. .. إلخ) .
ينسـل أحد الموقوفون من دود الأرض المقهور في صفوف الظلم الجبرى .. يدخل مضمار الحلبة..
بغيظ كل الأيام المرة يشد الرجل وثاق (الحاوى) الممطوط وسط الحلبة ..
يحكم الرجل ربط الجنزير من فوق أكتاف (الحاوى) الممطوط وسط الحلبة و حتى الأرداف ، ثم يخرج متهللا بِشرًا ، و كأنه حاز الدنيا بحذافيرها .
تفتتن الأنظار المسجونة بصفوف الفقراء الملفوفة حول الساحات المضروبة على امتداد الوطن .. تحاول التقهقر إلى زمن الردة ..
تخبو الضحكات العجفاء في الأفواه المكممة أمام أسواط السادة الحكام و ألاعيب من يتوسطون حلبات كل الساحات و نيران القطب الأوحد .
فجأة ..
تتجرع كل الأعين المعطوبة بصفوف الفقراء الملفوفة دمع (الحاوي) المكذوب و المزروع في وسط الحلبة ، و هو يستجدى كسرة خبز مصنوع من دقيق الصرعى الفقراء تحت الأسقف المعروشة ببقايا الطين العالق بأسمالهم البالية ، و لسعات كرابيج السادة الأشراف منذ أباطرة الزمن العايب حيث المماليك الملاعين أرباب السحر الأسود .

ينفض السامر ليحط الليل الداكن ، يرتهن الكل طويلًا أمام الظلم الحالك الصادر عن القصر الجمهورى ..
يصير النجم يبابًا ..
تتداخل وسط زحام البرواز خطوط عدة ..
يلتئم شمل الندماء ..
تندمل الأوجاع المدفونة في حواف الصورة ..
تـتهاوى عن قصد بعض الحلقات المفروطة في صفوف الفقراء المكلومين لصنيع الحواة ناحية الدوران الثابت .
الأكواب تتراقص ، يعلوها صدأ اللحظة ..
تلتقط إحدى النسوة حبات العقد المفروط بأكف الغلمان المصلوبة خلف كل الصفوف الملفوفة للفقراء المغلوبة بشفاه مشرومة ..
ينبت على بعد فى الصخر الصوان عود أخضر ، ترعاه الأبدان المغموسة وسط هجير حقول الحنطة ..
تسقيه لبن العصفور ، و بعض من قديد العشب السامق فوق هامات الوجه الأسمر .
يستقم العود قليلًا ..
تنفجر منه الصيحات المكلومة .. تتبرعم وسط الحقول البكر و فوق أسطح الديار بعض الزنابق المعدودة صفراء و وردية اللون ..
تفقس أعواد القمح الممصوصة فى زمن التحاريق أفراخ النبتِ الأخضر ، و هـدير المكن الدَّوار يعم أركان الساحات المنثورة بطول الوطن و عرضه ، و يبث صوت (تكتكات) التقوى ..
يمتد الظل ثوان محدودة …
تنكشف الأستار ..
و حواة الزمن السائد تزيد من نشاط دورنها ..
تسترق السمع مليا ، و تتسلل عبر الأقمار الصناعية حيث مدار القطب الأوحد .
بعـد منتصف الليل ينكب (الحواة) على رؤوسهم يرجون بخورًا نفاذًا كما الخفافيش ليتمكنوا من صيد فريستهم ..
يتخفون فوق الجدران المنهارة بعدما نضب جرابهم بكل الحيل العلنية ..
ها هم يتلصصون على عورات النساء و الأطفال فى مخادعهم كالحرباء ، و يطلقون نعيقهم كـ (البوم) المكبوت الذى يسابق عواصف الرياح الهوجاء .. ينفذون شرورهم و أحقادهم و سمومهم للماضى و الحاضر ، يحاولون قـتـل صوت تراتيل الشيخ الراكع حتى الأظفار ..
و لكن ..
(هيهات .. هيهات) .
يرتد القلم صحيحًا معافَ وسـط الأنواء و الأحاديث الأنوية ، في يد الفلاح القروى ، تمــلؤه الألوان الحرة .

السابق
معدم
التالي
نـريــجـسـة

اترك تعليقاً