القصة القصيرة

الخبيئَةُ

كلما لَمَحَهُ عن بُعد انزوى سريعًا إلى أقرب شارعِ جانبيِّ؛ ليتحاشَى مقابلتَه، لا يرتاحُ أبدًا للقاء هذا الرجلِ، لا يدْري لماذا، غير أنَّ كلَّ شيءٍ فيه يبعثُ على القلقِ: نظراتُه، كلماتُه، مجردُ رؤيتِه، جارُهُ الذي يشغلُ وظيفةً مرموقةً بشركةٍ استثماريةٍ كبرى، يدورُ حديثُهُ دومًا حولَ أسعارِ الأراضي والعملاتِ، الأسهمِ والسنداتِ، البورصاتِ العالميةِ والمحلية، يؤلمُه هذا الحديثُ، يبعثُ في نفسِه الحسرةَ، كلماته تكويه، هو الموظفُ البسيطُ المحدودُ الدخلَ، ترهقُهُ مصروفاتُ البيتِ المتزايدةُ، يلهثُ ليواكبَ قطارَ الغلاءِ المنطلقِ كأنّه صاروخٌ أفْلتَ من نطاقِ التحكم، فلا أملَ فِي عودتِه إلا أن يشاءَ اللهُ، بالكاد يمرُّ الشهرُ دونَ أنْ يستدينَ؛ ليوفيَ متطلباتِ الأكلِ والشربِ والملبسِ والتعليمِ والعلاجِ والانتقالاتِ والإيجارِ، لا مجالَ للكمالياتِ وأقواس الضرورياتِ مفتوحةٌ على مصراعيها، نفقاتُه الشخصيةُ للحصولِ على المرتبِ تلتهمُ رُبُعَهُ، والثلاثةُ الأرباعُ المتبقيةُ ينبغي أنْ يعولَ بها زوجةً مريضةً، وثلاثةَ أولادٍ في مراحلِ تعليمٍ متقدمةٍ، يحتاجون دروسًا خصوصيةً وبنتينِ في سنِّ الزواجِ.
فكرَ في السفرِ للخارجِ، لكنَّه تراجعَ عن الفكرةِ؛ فقد فاتَ أوانُ المغامرةِ، بعد أن تخطى الأربعينَ وفترتْ حماسةُ الشبابِ وكبلتْه أسرةٌ كثيرةُ العددِ، لم تعدْ صحةُ زوجتِهِ تقوى على إدارةِ دفتِها إذا غابَ هو عنها، فالأولادُ صاروا في سنِّ حرجةٍ، خروجُ أحدهِم عن المسارِ السليمِ لأي سببٍ قد يترتبُ عليهِ هدمُ الأسرةِ بأكملِها، ولا تعدله كنوز الأرض وإن جمعها.
لم يفقدْ الأملَ يومًا، لكنه أبدًا، لا ينتظرُ معجزةً تُحدِثُ طفرةً في معيشتِه؛ فقد انتهى عصرُ المعجزاتِ، كلُّ سنده في كفاحِه اليومي دعواتُ أمِّه العجوزِ، التي لم ينسَ يومًا تقبيلَ يدِها ورأسِها منذ نعومةِ أظفارِه، وزاد برُّهُ بها بعد أن تُوفيَ والده منذ سنوات، وهو يدعو لأبنائِه عامةً ويخصُّهُ هو بوابلٍ صيبٍ، ويوصِي بأنْ يشهدَ غسلَه ويتولى الصلاةَ عليه دونَ الآخرين، رفضتْ الأمُّ تركَ شقتِها المتواضعةِ لتنتقلَ مع أحدِ أبنائِها، تمسكتْ برائحةِ المرحومِ وذكرياتِها معه؛ فكان الأولادُ يتناوبون زيارتَها والمبيتَ معها، وكان له من ذلك النصيبُ الأوفى؛ لانشغالِ الباقين بأُسَرِهِم وبيوتهم البعيدة وقربِ مسكنِهِ منها.
لم يتذمرْ يومًا من النفقةِ على والديْهِ رغمَ قلةِ ذاتِ يدِه وكثرةِ مسئولياتِه، حفظ في صغره حديثَ الثلاثةِ الذين حُبِسُوا في الغار، فتوسَّلوا إلى اللهِ بصالحِ أعمالِهم فنجَّاهُم اللهُ، وكان أحدُهم بارًّا بوالديْه، من هذا اليوم وَقَرَ في قلبِه أنَّ برَّ الوالدين هو المُنْجي من الضيقِ في الدنيا والآخرةِ؛ فتمسكَ به كالغريقِ الذي يتعلقُ بطوقِ نجاةٍ، وجعلَه ذخرَهُ للأزماتِ.
أفاقَ من تأملاتِهِ على صوتِ المؤذنِ في الحرمِ فوقف للصلاةِ، وهو يحمدُ اللهَ على زواجِ ابنتيْه وتخرجِ أولادِه في الجامعةِ، وأداءِ فريضةِ الحجِّ، وانتقالِه لزيارةِ ابنتِه الطبيبة وزوجِها بالمدينةِ المنورةِ.

السابق
إفلاس
التالي
دروب وحشية

اترك تعليقاً