الخاطرة الطويلة

الخربة

..شددتُ شعري ندما. شتمتُ نفسي، شتمت الفقيه في سري. درتُ في مكاني كديكٍ في العراء تحت سماء من مناقير العقبان. تكاثف الظلام اكثر في عيني، وصار سحابة من غبار اسود تملأ خياشيم روحي، الى حد ان احسستُ بكفي تمتلأ من جماع ذراته القاتمة. تجمدتُ في مكاني، وصدى صوت الفقيه يتردد في دماغي المرتجف كما في واد سحيق، بعد ان اغلق النافذة وراءه واختفى:
– إذا لم تذهب، سأبلغ عنك، ممنوع المبيت في المسجد.!
لم ينفع معه رجاء ولاتوسل. لم يقبل ان يعتبر المبلغ الكبير الذي اشترطه هذه المرة ديْنا بذمتي، بعد ان رجعتُ من المقهى خاسرا. بل نعتني بالخواف، وأغلق وراءه الباب وتركني، قبل ان يعود ويفتح النافذة ليحذرني بكل قسوة.!
لعنتُ المقهى. لعنت لعبة الورق التي سرقتْ مني احساسي بمرور الوقت، الى ان حط الظلام. لعنتُ الامطار التي تجمعتْ في نهر هادر قطع طريقي الآمن عبر الجهة الاخرى، رغم طوله. لعنتُ نفسي..لكن كل تلك اللعنات ماكانت قادرة لتطمئن شعرة واحدة من شعري الواقف كأشواك من قنفذ الخوف.! لهذا لم اجد بُدا من مواصلة الطريق المسكون بالرعب، مسلما امري لقدر يسوقني الى المجهول، جزاءا لغرقي الدائم في المقهى وورق اللعب، رغم قسمي المتكرر كل ليلة بأغلظ الايمان. إذ لم ارض ان اعود ادراجي الى المقهى،او الى احد معارفي لأخبره ان الخوف من تلك الخربة المسكونة منع عني الذهاب الى داري.! ومشيتُ، بين الاشجار السوداء، ادفع قدما وترتد اخرى، على طريق بالكاد أتبينه، بخطوات لها وقع نبضات قلب يشعر انه ذاهب الى حتفه. وكيف لي ان أُفلت من قبضة الجن الذي يسكن تلك الخربة، حيث لايجرأ احد من الاقتراب، ماعدا الفقيه.!؟ الفقيه الذي رفض هذه المرة، واصر بقطع على تسلم المقابل نقدا، عوض ان ينتظر دينا قد لايدفع ابدا، رغم اني أقسمتُ له كذا مرة بالمسجد حيث يقيم.! لذلك قررتُ ، حين اقتربتُ من تلك الخربة المسكونة بين اشجار ضخمة موغلة في الزمن، أن افعل كما فعلتُ المرة السابقة، لما طلب مني الفقيه ان اسير على يدي ورجلي كالحمار، وسرتُ كالحمار لعل بركته تركبني وتخدع الجن، بعد ان رفض هو ان يرافقني ويركب ظهري، وما كان ثقل الفقيه وانا احمله واسير ليساوي ثقل الخوف الذي كنت احمله بين اضلعي المصطكة كأسنان في الصقيع لوحدي.! لكني حين اقتربتُ اكثر من الخربة المسكونة لم اسمع صوتا عدا أزيز الصراصير، عكس المرة السابقة حين كان يقول الفقيه اسمع: وسمعتُ جلبة من اصوات غريبة مرعبة، فزاد هلعي، وصارت نبضاتي المتسارعة انفاسا لاهثة تختنق في صدري لما وصلتها ولم أر شيئا ،أيضا عكس المرة السابقة حين رأيت وجوها بشعة لمردة جبابرة يخرون أذلاء امام سبابة الفقيه، التي كانت تشير إليهم وتقول لي : انظر الى الجرذان في حظرتي.! صار الصمت، الذي كان يعم الخربة أرعب، من تلك الوجوه كفم وحش تتوقع ان ينفتح بغتة وفي أي لحظة. فبدأتُ ألتفت حوالي بعين عارية يخزها الظلام اينما ولتْ بصرها، غير مصدق ان لايكون في المكان جن.! ظننتُ انهم يتسلون بي، بعد ان وقعتُ فريسة على طبق بينهم، وحبستُ انفاسي انتظر صوتا هلاميا مرعبا يهجم علي بغتة من اي جهة. لكن الانتظار المشدود كحبل مشنقة طال، فخطر لي انهم ربما كانوا نياما ولم يشعروا بي.! جمدتُ في مكاني اكثر، وبذلتُ اقصى جهد لكتم انفاسي المنفلتة، ولم أدر في اي مكان يمكن ان يناموا، إذ يمكن ان ادوس على احدهم، او ادهس صغيرا لهم، إذا تقدمت من مكاني، فيدهسوني.! لم استطع التقدم خطوة الى الامام، بل استدرت، ونكصتُ على اعقابي، دون ان انتصب على قدمي، لعل بركة الفقيه على ظهري تقيني شر استيقاظهم، مطبقا فمي بكل ماتبقى لي من قوة على صوت أحسسته نهيقا فاضحا يندفع من اعماقي، دون ان استطيع شيئا حيال روث بدا يتساقط مني.!

السابق
طموح
التالي
زمن الكورونا

اترك تعليقاً