الشعر الحر

الخروج من الكهف

هذا أنا مؤخراً وهذه هي البلدْ
خرائط الوصول لا تنمّ عن مقالتي
وحطّ طائرٌ قُبالتي
مُلتفتاً نحوي بقفزتين ثم طار، وابتعدْ !
لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولد ؟
. . . .
رائحة التراب لم تزلْ
وشجر النسيان بالمرصاد واقفٌ بلا مللْ
يُبدّل الأصداء والظلالْ
وأثرُ الماضي يلوحُ مثل غيمةٍ شاردةٍ،
،تُضيء بالقرى هنيهةً، وترتحـلْ
. . . .
كل احتمالات الهوى قائمةٌ،
فليس في الحسبان شيٌ راجحٌ،
لا شيءَ حولي واضحٌ،
ولا أحدْ
َوجائزٌ لو ميّتٌ أفاق من رقدتهِ،
وسائرٌ على الطريق – بغتةً – رقدْ
. . . .
لكنني أنا هُوَ
هذا الذي أراه خارجاً من كهفِهِ،
ومائلاً بعِطفِهِ،
وداخلاً في جهةٍ مع الأبدْ
هذا الذي أراه كالصبيّ في فجر السلالاتِ،
وكالنبيّ في بدء الرسـالاتِ،
وكالغريب في أوائل الحِقبْ
لأين أنت ذاهبٌ يا أيها الولدْ ؟
. . . .
لا شيءَ في الأرصفة الغاصّة بالأجسامِ،
والأبنية الراصّة بالأرقامِ غير رغوة الزبدْ
لا شيءَ في هذا الزحامِ ،
لا أحدْ
. . . .
لكنني أنا هُوَه
أجل، أنا هُوَه
وحان لي أن أدعُوَه
كي يُكملَ السهرة في ضيافتي
ويرشفَ القهوة في حيازتي
ويُنفق الليل معي، على جـَلَدْ
على اعتبار ما علينا أو لنا
فالعمر ولّى هيّنآ
وحان للمقيم أن يغادر النُزُلْ
فلنجلسِ الآن على هامشةِ الرحيلْ
ونفتح المجلداتِ بيننا
ونفحص الكتبْ
. . . .
طاف على قهوته وأغلق الجريدة
حتى كستْهُ حُمرةُ الهيبة والسـلامْ
وانطفأ الكلامْ
حين مضت أمامهُ الفتاة تبتاع العنبْ
فالتمعت عيناه بالأمس البعيدْ
وانبعث الماضي العتيدُ من رُقادهِ،
واشتعل الحطبْ
فقام عن كثبْ
. . . .
من الذي أعاد هذا الأمس غضّا طازجاً؟
من الذي أعاده مجدّداً؟
كأنما ما ضربته العادياتُ والنّوَبْ
ولا طوَتهُ رحلةُ الأيام عن عيوننا،
ودَفنَـتْه في اللجبْ
. . . .
الخطو خطوها،
ينسابُ فى الطريق ليّناً
دالاً عليها بيّنا
والثوب في التفاف خَصرها النحيلِ،
يضطربْ
– ولفحته نسمةٌ شاردةٌ،
هبّت على خدّيه من أزمنة الوصالْ –
توشك أن تغيب عن عينيهِ،
أن تذوب في الزحام
لكنه راح يمدّ خطوه في إثرها ويقتربْ
فالتفتت بوجهها،
في لحظاتٍ ملؤها الدهشةُ والعجبْ
والتقت العينان بالعينينِ،
أنتِ أنتِ، ها هنا؟
فأنكرَتهُ أنكرَتْ نداءَهُ وحدَجتْهُ ومضتْ
يدفعها الزحامُ عن دوائر الرؤية والدّركْ
فصار واقفاً مكانهُ، وشاهراً بنانَهُ،
كآخر المحاربين النبـلاءِ،
الواقعين في الشّرَكْ
وظل شاخصَ العينينِ باتجاهها،
كأنه التمثال فـوق حافة النُصُبْ
قالت له ذات صباحٍ مبهمٍ فيما مضى
ليس سواك لي فلا تغادرِ المكانْ
لكنه وقد صعدْ
فلم يعد يشملهُ الزمانُ والمكانْ
البيت بيتنا
والشارع الطويل يزهو بالعمارات القُشُب
والشجر الصاعد للسماءْ
يداعب النوافذ المشرّعات في الفضاءْ
محتفظا ً ببعض ما ذهبْ
والفتياتُ الناظرات للطريقِ،
ليس في وجوههنّ غير سطوة الجسدْ
ســيدتي
شبعتُ من هذا الجمالْ
علام هذا الحلم ينطفي بعد توهج الظلالْ
ما عاد حضنك الحنون يطفيء اللهبْ
ولا يسدّ حاجتي من النزوع للكمالْ
هناك شيء غامضٌ أبحث عنه خارج الجسدْ
هناك حبل من مسدْ
يشدّني إلى المحالْ
. . . .
ماعاد شيء هاهنا يعرفني ،
أنكرني منعرج الوادي ومدخل البلدْ
وأنكرت وجهي عرائسُ النخيلِ،
أنكرت خطوي مصابيحُ الكباري،
وفوانيس العُُمُدْ

لكنني أنا هُوَه
هذا الذي أراه صاعداً على الهضَبْ
أو نازلاً من ربوة،
في يده العسيبُ أو في حِجرهِ الرّطَبْ
هذا الذي متّجهٌ دوماً إلى اليمينْ
ملتفعاً بالشوق والحنينْ
أبحث عنه في،
فنادق المغادرينَ في الصباحِ،
في قوافل المهاجرينَ في السحرْ
أبحث في مضارب الخيامِ،
في منازل الحضرْ
هذا الذي يظل حالِماً إذا صحا
ويقظا إذا غفا، وراحلاً إذا أقامْ
هذا الذي يقتات في المنامْ
سكوته كلام
وصوته ينثال في الهديلِ من برج الحمامْ
كأنما يبحث عن شيء ولا يجدْ
لكنني لست أراه
لستُ أراكم أو أراني، أو أراه
هذا الذي أناهُوَه
ما كان لي أن أرجوَه
ما كان لي أن أبرح الكهفَ،
ولا أن أترك المكانْ.

السابق
تخفّي
التالي
قراءة في قصيدة “الخروج من الكهف”

اترك تعليقاً