القصة القصيرة

الخـبـيـئة

انتظر أربعـين عاماً .. كى يعرف مدلولات الأشياء ..
أعوام كثيرة مضت .. وأعوام قليلة هى الباقية .. كلها أعوام متراصة على أرصفة الشوارع بلا أغطية ولا عنوان .. يسير فيها السائر بلا دليل .. كيفما يشاء .. والحكايا القديمة لا ينقطع لها وتين بالليل والنهار!
تصرخ .. تئن.. فى أصلابها المتآكلة فى ظلام دامس ، ونهار مخنوق تحت وطأة لصوص الميناء ، وأكلة العرق المبذول .
يستنجد بجدائل الصبر الموقوف عند عتبات الفجر الهارب قصراً عن بلدان الـشرق الأوسط .. وسط بيانات الشجب واللاءات السمجة .. حيث الوجوه والعقول (النائحة) المنكفئة على ذاتها .. تحبو صوب الغد الآتى بخطى السلحفاة ، وسرعان ما تزول بسرعة البرق .
وتتساءل :
أيهما الأصح؟
دخول (الحمام) باليمين أم باليسار؟
بينما الأطفال صرعى يجأرون وسط رحابة حالة التهميش المتعمد ، وأنياب عجلات الفقر المدقع .
بينما الكل رجال ونساء من العامة يتندرون فى ملاعب الغطرسة المتكومة خلف الجدران المعزولة عن العامة ، وترقد بين أيادى وفكوك السادة النبهاء الملاعين وراء أسماء عدة .. أقلها حياءً (النخبة) .
عبر آلاف السنين ..
حيث انعكاسات الرؤى الخبيثة ، وحبال وعصى سحرة فرعـون تَئِزُ الصـدور العارية فوق منصات الخيانات المعتقة ، فى سراديب مالها من قرار بكل واد .
.. تغوص ..
وتتوحد تحت الجلود والعظام المُتْرَعَة حتى الثمالة بالهراء القمىء ، الذى ليس له قيعان .. وتعلو لتخرج على خرافات ملء السماوات والأرض .. مالها من حدود ولا قرار .
تنعق فيها الأبواق ..
أهلاً .. بزمن الردع .. أهلاً .. بزمن الصدع .
= شىء ضئيل يتنامى بداخله الخربة ..
ــ يتكاثر ..
يُخْرِجْ قبساً له أجنحة مثنى وثلاث ورباع .
يكاد سنا برقه يخطف ضوء النهار الشحيح من مكامنه ، ويسيح وسط الدخان المتصاعد من جوف سلات النفايات القميئة المتراصة ، بكل شبر فى عواصم البلاد المتخمة بالسواد الوبيل ليل نهار ، وهالات أمل غير مرتج .
ويميز ريحها الطيبة .. ويستبين رغم السواد الداكن بمجرى الدم كأنه الوسواس
الذى يخرج من بين ضلوع الكهان (المستشاريون) وهى تغطى كراسى كل العواهل والرؤساء على امتداد المدى .
= القبس الشحيح يَخْرجْ من طور سيناء صوب المدائن المذعنة للخنوع الدائم على استحياء .
تتداعى له القلوب العامرة ، ويرتعد منها أركان (الكونجرس) فى الليالى الدفيئة بقطرات النفط والزيتون ، المستباح بكل الشـوارع والموانى العربية على اتساع مداها .
.. بعـد برهة ..
= فتش فى كل المرايا اللامعة .. عاكسة وغير عاكسة .
.. لم ير ملمحاً له أبعاد تعد .
عاود البحث من جديد .
ملايات أمه .. لفافات تبغ أبيه .. جرابات جده الأكبر .. زفرات أنفاس أخيه الأصغر .
.. لم ير ملمحاً له أبعاد تعد .
ــ على مقربة من جناحه المهيض ، بَصُـر هـمهـمات تـرن فى صدر (الصبى) الساكن بداخله والمدرج دماؤه بالقرب من بقايا بقعة الضـوء الهاربة ، منذ زمن التوحيد الأول من عهد الفرعون , وكأنه خيط رفـيع يتململ بين يد جراح خبير .
طرف من الخيط يمتد نحوه .. يصل إلى أطراف إصبعه الخنصر .
.. يكاد يلتقطه ..
ها هو يحاول أن يقبض على بداياته بكل ما أوتى من قوة .
يتفلت طرف الخيط – بكل عنفوان – من بين أنامله ، كقطرة ماء دافقة ..
يكرر المحاولات مرات عديدة .. يطرد اليأس عن طريقه بكل السبل .
يتصاعد قبس الضوء وينغمس بأم رأسه .
.. يستقر للحظة ..
سرعان ما يفر نحو قرص الشمس القائظ .
تتلقـاه ملائكة الرحمة .. يهدهدونه بين أجنحتها ، التى لم يرها إنسان البتة.
يلقى إليه ببضع حروف منقوطة .
حروف لم يسبق له سماع حرف واحد منها .
فهو لم يعرف من قبل القراءة بالفصحى .
بقعة الضوء تسـتفحل هناك خلف الغمام البعيد .
.. تتساقط كسفـاً..
تُغرق سقف العريشة المشدودة بجوار قبة الصخرة ، بوابل من الفيوضات النابهة!
فى حين أن قذف الأحجار بالأيادى العفية ، لا تصنع وحدها النصرالأكيد .
من غير مقدمات ، شاب شعر رأس أبيه الحليق قبل الأوان .
ــ تحت شـجرة الزيتون ، غاصت أقدام أمه العارية لما بعد الفخذين ، وهى تمشط حكايا الزمن التليد وسط الساحة بلا غطاء .
ارتـمى مندفعـاً تحت أقدام أمه .. لعق فى نهـم ما تبقى من ثريد نهـدها المكلوم .
ــ لـم يرتو ــ
ثدى أمه جف من كثرة التثاؤب .. وتحجرت تحت ثنايا جلدها الضامر ينابيع الخير الكثير .
ــ رأس أمه صارت بـوار ــ
ــ كف يد أخيه اليمنى عصفت بها الرياح والأنواء فى كل اتجاه .. وغـطاء رأسه لم يـستـطع تجميع بـقعة الضـوء ، التى سالت على الجدران من كثرة الرفض والشجب المنبوذ .
وبات فى المذياع على امتداد المدى بقايا أغنية ورجع هـراء .
ــ غـفا للحظة لا يعرف مداها ــ
ــ فى جوف الليل خاله وقع دبيب خطوات رصينة راسخة ، تسرى صوب الديار الحبيسة .. رجع صداها ملأ كل ميادين العواصم الناشئة حديثاً ، بالثريد والتمور الوضاءة الممزوجة بفطرة الأجنة فى بطون أمهاتهم .. تجرد مـن كل ملابس الخنوع والخوف فى لحظة.. دفعة واحدة.
افترش الأرض والتحف بالسماء الفسيح، بلا ريش ولا أهداب.
كسر تعـويذة أمه القديمة المخبأة فى عُصابة جهله وحنقه القديم المتوارث، مع تكوينه الطينى والملفوفة فوق رأسه الضامر.
تعلق بدعاء أمه ذات يوم وقت مماتها تحت ظل شجرة اجتثت من أصلابها ، وعرين فتوته الزائل .. شـد خيوط النهار من مكامن الظلام الدامس .
بحث عن خبيئة أبيه الذبيح على صفحة (الورْش) القديم منذ القربان الأول .. وجد حروفها الهجائية تطابق وصايا الأب الأول , منذ هبوط الوحى من أبواب السموات العلا ..
فك من حول عنقه قبضة اللئام!
ــ كتب شهادة مماته على مرأى من الجميع بحروف منقوطة بارزة .. نفض عن كواهله غـبار الأمس المرير .. رشف حليب المحاياة من تحت أقدام الشباب المنطلق نحو الميادين الحديثة .
ما بين طـرفة عين وإنتباهتها .. رمق الشيخ الضرير يرفـع آذان الـفجر من فـوق سارية كانت منصوبة على الدوام بجوار البيت العتيق .. حيث البالونات تملأ حجـر البنات فى سن البكور .. وضحكات الأطفال تؤم الصلاة .. وأجراس الكنائس تغسل وجه الصليب فى ساحة بيت لحم والمسجد الأقصى .
يأتلق ضوء النهار على قارعة الطريق .
تصفق الكفوف فى عز الظهر .
توارت (الضلمة) وسط تسبيحات وتراتيل الأطفال الرضع والشيوخ الركع ، وطفى على الأسطح بريق أخاذ .. الغد أت .

السابق
هوجر وديامس
التالي
نور و نار

اترك تعليقاً