القصة القصيرة

الدلايلة

الأرض والسماء .. دائماً ما يراهما الرائى واسعتان وبراح .. حتى من قبل وجود الكثير من البشر اللاهون .
ــ فى حين أن الآجال والأرزاق بيد الله …
بينما المعايش والأحوال تتباين فى كثير من الأحيان ، وغالباً ما تكون ضيقة وضنك على البعض .
أى والله ضيقة على الآخر هنا .
فالدار التى ورثها (رجب الناغى) عن والديه مساحتها لا تتعدى اثنين وأربعين متراً مربعاً بالكاد .. مبنية بالطوب اللبن .. من طابق واحد .. ومقسمة إلى أربعة أرباع .. اثنين فى المقدمة ، واثنين فى المؤخرة .. وخلفها خمسة قراريط زراعية .. كل ميراثه فى الدنيا .
الدار والقراريط بعرض سبعة أمتار ، وطول الأرض الزراعية يقترب من مائة وخمسة وعشرين متراً ، تنتهى عند المدق البحرى لشط (المروة) الصغيرة الملاصقة لشريط السكة الحديد من الجهة الغربية ، والتى تستمد مياهها من ترعة الإبراهيمية المشهورة بالوجه القبلى .
أما باقى ميراثه المادى ، يتمثل فى بعض (المقصات) البلدى الحدادى الصدأة مختلفة المقاسات ، والقليل من رؤوس (الأغنام) العجفاء ، ومهنة تكاد تنقرض ككثير من المهن التى انقرضت بفعل التقدم التكنولوجى الحاصل خلال الربع الأخير من القرن العشرين .. مهنة امتهنها أبوه قرابة ستين عاماً قبل وفاته :
(قص شعر الحمير، وجذ صوف الغنم ، وكى وجس البهائم) .
كانت تلك المهنة فى السابق تسد حاجات بيت أبيه وأى بيت يمتهنها صاحبه ، علاوة على مواليته لرعى الغنمات المحدودة العدد ، وجمع تمور النخلات الضامرة المتناثرة بالقراريط الخمسة من السنة للسنة ، والتى أضحت اليوم لاتغنى ولا تسمن من جوع .
الدار والقراريط الخمسة يقعون على أطراف الناحية الجنوبية لـ (نزلة الدليل) المعروفة عند العامة فى تلك البقعة من بقاع الوطن …
بـ ” الدلايلة ”
والتابعة لمركز (بنى مزار) محافظة المنيا .. بمسافة تتراوح ما بين اثنين إلى ثلاثة كيلو مترات .
وكل زمام أراضيها ومبانيها ، ومدقاتها ومسالكها محشورة بين الشاطىء الصخرى الغربى لنهر النيل فى هذه البقعة و(المروة) الملاصقة لشريط السكة الحديد بعرض لا يزيد عن كيلومتر ونصف الكيلو فى أعلى تقدير ، وبطول يقترب من الخمسة كيلومترات من الجنوب إلى الشمال من قديم الأزل .. وهذا كله لا يزيد ولا ينقص من طبيعة وجغرافية الوطن من قريب ولا من بعيد .
فكل التواريخ بخريطة الوطن منذ انطلاق (الفكر الجديد) للحزب الحاكم والذى
يقال عنه حزب الأغلبية ولعقدين كاملين بارك فوق الصدور ، غير أن الأغلبية الكاسحة من الشعب المصرى صامتة ، وخرست للأبد من بعد ترويج تلك الأفكار الشيطانية ، المتعلقة بالتوريث للابن دون غيره .
ــ خلال هذين العقدين تاه فيها (رجب الناغى) ولفلف على كل الديار لتمشيط شعر (أتان) أعرج نظير لقيمات تقيم أود أهل بيته .
..أبداً..
فهو لم يعتَد سؤال الناس إلحافاً ، وكثيراً ما كان يعزف عن المشاركة بالمهرجانات الممجوجة التى تجوب البلاد بالطول والعرض ، وتطبل وتهلل لهذا الحزب ، بتوجيهات دائماً ما كانت تعد سالفاً من أجل جنيهات معدودة .
.. ليس باختياره ..
بل لنبل تكوينه الطينى ، برغم الحاجة والعوز والتهميش السارى بلا وازع ولا رادع ، ووقوع المزيد من جلدته تحت أنياب وبراثن الضغوط على الصدور العارية بأساليب جهنمية ، وأساليب وأنماط لم يسبقها لها أحد من قبلهم ، لتحقيق الخطة المحكمة المرسومة بعناية فائقة ، وتثبت المبدأ الخفى والهيمنة على طراوة الصولجان , بغض النظر عن رأى أو مشورة من شعب طُحن بين كفاف الرحايا المنصوبة بكل شبر من أرض وسماء – والمسماه بأسماء شتى – وفكوك الأفواه المفتوحة إلى منتهاها ، والمعروفة عند البعض بالنخبة .
مع أن القليل من هذا الشعب ركب الموجة مكرهاً أوطامعاً ، فى منفعة تأتيه على طبق من فضة ، ولكن سرعان ما تزول .
فـ ” الدلايلة ” ..
ــ بعد مرور سنتين من الألفية الثالثة ، وبعدما تأكد للكثيرين من أهلها ، وكل من يمرق عليها أو بغيرها .. من نقطة البداية إلى خط النهاية ، وبأى بقعة كانت بخريطة الوطن ، وعلى مرمى ما يرمقه المبصر الناسك فى محراب بحثه عن نقطة الخلاص ، أو كسرة خبز غير مخلوطة بنزيف العروق وانكسار الرقاب ووصوله إلى نتيجة واحدة !
إن ما تحت الارض خير عما فوقها ، ولو زُرع (القزق) عامود الإنارة المبهر فوق كل شبر فيها ، ولو انتشرت الهواتف السلكية واللاسلكية بكل القرى والنجوع ، وتدفقت المواسير الـ (سيجوارت) محملة بالمياة الغير صالحة للاستخدام الآدمى ، والحنفيات المنكلة بالسبائك المعروفة والغير معروفة ، وأطقم الخلاطات المستوردة ، فالحالة ضيقة ومُرَة على الجميع …
بـ ” الدلايلة ”
حتى ولو كان فيهم ومنهم الطبيب والمحاسب والمحامى والمهندس الحاصل على أعلى الدرجات العلمية فى شتى فروع المعارف ، ولو صدحت القنوات التلفزيونية والصحف وما دونها بأن كل من عليها فى طريقه لحياة البغددة والرحرحة ، ولسوف يتبدل حالهم من حال إلى حال , إلا أن التخلف والجهل
والأمراض التى لم يعرف لها من قبل سمياًّ ، ونسبة الأمية الأبجدية والثقافية فى ازدياد مضطرد على أرض الواقع …
بـ ” الدلايلة “..
فــ (النزلة) لم تزل موقوفة ورافعة الراية البيضاء بين أياد ورأس الحاج (…) منذ زمن بعيد .. الرجل الكبير الذى لم يختره أحد من أبنائها ليتولى أمرهم ، ويصبح المانع والمانح وهم صامتون أو خرساء طوال الوقت .
الرجل الذى تصب عنده كل المقدرات والخيرات المدعومة وغير المدعومة ، ومن قبلها ومن بعدها الهموم والتوجيهات العليا ، التى تفت متون العامة من الشعب كما نخالة القمح الأسود ، ويفصل فيها كيفما يشاء ووقتما يشاء .. ولا معقب لحكمه ، ولا راد لسلطانه .
(ويذكر أن هذا الكبير على مر العصور لابد وأن يكون من أهل الحظوة وأهل الثقة ، ومسلحاً بأسلحة المواربة والتخفى خلف معسول القول ، والجِبّة والقفطان إن لزم الأمر من قبيل التواضع أمام العامة ، وإيهامهم بأنه يشاركهم الحياة المرة) …
فى “الدلايلة”..

= عندما لم يستطع المرء كسب قوت يومه ، يصير أهون من مقدار وزن بعوضة ، ومن ثم يتآكل حجمه أمام كل الناس ، وتتقاذفه الأنواء أنى شاءت وإن رسخت بخلده نصوص ثابتة ثبات الجبال الراسيات …
” أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً ”

= بعد أداء صلاة الجمعة بالمسجد الوحيد بـ (النزلة) شد (رجب الناغى) حيله وجلس عند ركبتى الحاج (…) يشكو له ما وصل إليه حاله من ضيق وبؤس وكرب ، بعزة نفس يحسد عليها بين قرنائه ، منتظراً رأيه ووصاياه ، ويرتقب موافقته على رعاية أهل داره بعدما انتوى السفر .
ــ كانت نظرات الحاج (…) ترقب الفتى الجالس أمامه برباطة جأش ، والهيبة مرسومة فوق جبهته العريضة ، على غير عادة أمثاله من شباب (النزلة) ورجالها ، وكانت عيون الحاج (…) تتنقل من موضع لآخر بوجه الفتى .. تتفرسه برؤية الشيخ الحصيف المتمرس .
يستمع للفتى جيداً دون أن يراجعه فى قول ، ولا يرده فى نظرة جارحة ، ولا لمزة أو غمزة ، والفتى يقص على مسامعه كل ما يعن له بصوت جهور:
((بُص يا عم الحاج .. صابر ابن خالتى (ناعسة) بعت لى عقد عمل .. دفع فيه إشى وشويات من جري وفلوس وخلافه ، علشان أشتغل معاه فى مطار (جدة).. وأنا مقطوع من شجرة .. ومراتى زيى تمام .. والبنت والولد لسه صغار مالهومش حد يحميهم غيرك من بعد الله .. والحالة ضيقة على الآخر ، وطلبى
حمايتهم فى غربتى حتى الحوالة الأولى)) .
ــ فجأة ..
توقف الحاج (…) عن الترقب والإنصات .. قبل أن يزيد الفتى من وتيرته لمزه وغمزه الواضحه تجاهه .
ــ تململ الحاج (…) فى جلسته وكاد أن يهم بالانصراف من أمام الفتى , مخافة أن يحتد عليه فى النقاش ، ويكسر شوكته وشوكة أمين الوحدة الحزبية للحزب إياه ، فتسقط الراية الهلامية المتخفيان تحت ظلها الباهت وسط جموع المصلين , خاصة واليوم كان يوم جمعة ، والمساجد تكتظ بالمصلين على غير عادة الصلوات الأخرى .
ــ سيبها لله يا (ناغى) فالحاج وأهل ” الدلايلة ” تحت أمرك .. وولادك فى رعايتهم ، ثم ما برح واتكأ على ذراع (دسوقى حسان) توأمه تحت تلك الراية الهلامية فى طريقهما للخروج من المسجد ، وما لبث أن سلم له أذنيه مغصوباً ليبث فيهما التوجيهات الجديدة ، التى وصلته من المستويات العليا .. فى المسافة بين المسجد والـ (المندرة) .
ــ دسوقى :
[يا حاج (…) موعد الانتخابات التشريعية قرب ميعادها ، وولد (الناغى) واد لسانه حلو ، وكمان معارفه كتير من تحت راس مهنته ، والواد بيخش كل دار فى المركز مش فى (النزلة) وبس .. مطلوب تأجيل سفره على ما ناخد منه اللى إحنا عاوزينه أمام طلبه] .
ــ الحاج :
(بس (باتعة) مراته قوية الشكيمة ، كأى امرأة صعيدية ، وواقفه وراه فى حكاية السفر ده) .
ــ دسوقى :
(أهو حاول .. علشان الكوادر العليا يعرفوا اللى بيحصل) …
فى ” الدلايلة ”
= بعد أسبوع ساق الحاج (…) كثيراً من الأعذار المبررة وغير المبررة لـ (دسوقى حسان) بعد أن باءت كل محاولاته اللينة والعصية على حد سواء بالفشل الذريع أمام الفتى (قصاص الحمير) لإثنائه عما عزم عليه ، لفقره المدقع من ناحية ، ومن الناحية الأخرى لقوة وشكيمة (باتعة) زوجته ، وبعدما رأى أن فكرة السفر تملكت منه تماماً ، وتأجيلها لبعض الوقت حتى تنتهى الانتخابات التشريعية تعد من المحال .. وبعد أن شاهد بأم رأسه صافرات القطارات (المِبَحَّرةُ) فى اتجاه القاهرة ترن وتنخر فى لبابة فؤاده ، ومخر العَبّارات العابرة لمياه خليج العقبة تجلجل وتسرى فى روعه ، وتقلب حاله من حال إلى حال ، وتأكد له أن (نداهة) يوسف إدريس سكنت وإستقرت داخله لآخر نقطة دماء تجرى فى عروقه ، ولا مفر ولافكاك من ذلك .. ولايستطيع فرض شىء عليه ولا على (باتعة) مقابل هذا السفرية التى وافقت هواهما كمخرج وحيد ، للخروج من حالة البؤس التى تلفهما ككثير من أهل …
” الدلايلة ” ..
توقف دور الحاج (…) عند الانتظار الذى لايملك غيره ، حتى تأتيه الحوالة المالية الأولى من الخارج ليحكم ويتحكم فيها كيفما يشاء ، حسب اتفاقه مع المدعو (دسوقى حسان) .
= قبل أذان فجر الجمعة التالية ، كان (رجب الناغى) قد حزم شنطة سفره ، وبعض ما زودته به زوجة (صابر) ابن خالته (ناعسة) وامتطى صهوة القطار (المِبَحر) لمحطة باب الحديد بالقاهرة ومنها إلى موقف أتوبيسات (نويبع) بألماظة ، فكل أوراق سفره كانت معدة من قبل بمعاونة (صبيه) الذى كان يتخذه كابن ، والذى سقاه من قبل ومنذ نعومة أظافره مهنته التى تكاد تنقرض ، المدعو (محب باسيلى) ابن نجع أبو جرج لذات المركز والمجاور (للنزلة) .
= كانت (سميرة) ابنته آنذاك عروسة ، ونهداها يعلوان عن مستوى بطنها بكثير ، وردفها يهدر فى كل اتجاه كيفما يشاء .. فعودها كان فرع كأمها .. أما شقيقها الأكبر (خليل) كان سينتقل إلى السنة النهائية للحصول على دبلوم الصنايع ، رغم أنه لم يلتقط من أبيه مهنة أجداده ، وعزوفه الكلى عنها لأسباب تخصه .
ــ كانت (باتعة) منذ أن دخلت تلك الدار ..
ــ ومن قبلها ــ
تمنى النفس أن تَرُخ (الريالات أوالدولارات) فوق رأسها ككثيرين من أهل …
الـ ” الدلايلة ”
وتحلم بانتقال حالها من حالة البؤس والفقر ، التى كانت تحياها مع (زوج) أمها قبل زواجها من (ابن الناغى) وبعد زواجها وهى فى نفس الحالة ، بينما من تراهم بأم رأسها {يلعبون بالفلوس لعب} بالـ (النزلة) وكأنهم يلعبون بصغائر قطع الحجارة أو (الشقافة) لعبة (الحَبْ جب أو كلاب السيجة) نساءً ورجالاً ..
أو كطفل غرير يجرى خلف فرد حمام فى (غيّ) فوق سطح دار متخمة بالنعمة .. بعد سفر أحد أفرادها لدول النفط ، ومكوثه هناك بضع سنين .
تحلم بالدار (الواطية) التى لا تعلو عن سطح (السكة) بسنتيمترات معدودة ، أن تتحول إلى بيت خرسانى مرتفع البنيان ، ينقذها من العيون البصاصة التى تجرحها بالليل والنهار ، ومن هطول الأمطار والأتربة طوال الوقت لكل من يدب على قارعة الطريق أمامها .
تحلم بيت حديث يحمى عورتها ولو كان من طابق واحد .. غير طامعة فى عمارة كتلك العمارات التى ترتفع من حولها على جانب (سكة) البحر ، الممتدة من (مزلقان) محطة سكك حديد (المركز) إلى شاطىء النيل الصخرى ، وهى تأكل جُل الأراضى الزراعية يميناً ويساراً دون وازع دينى أو اقتصادى .
مع أن زمام مركز(بنى مزار) بالأخص محاط من كل جانب بالصحارى اليباب ، التى لا تبعد عن مجرى شريان الحياة سوى مترات معدودة ، وتتسع للتوسع العمرانى اللازم لو – أراد من بيده الأمر – وزمام الأراضى الصالحة للزراعة تكاد تكون معدومة .
” ولكن المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين ”
= هذا ما صبرت به نفسها طوال تلك السنين .. وها هو اليوم يقترب الحلم ، ويكاد يصبح حقيقة دامغة معلقة على باب دارها كبصلة (شم النسيم) التى يحرص كل الفلاحين على وضعها من آلاف السنين على أبواب ديارهم تبركاً بقدوم مواسم الحصاد ، وقريباً سوف تتخلص من عيشة الضنك التى تحياها دوماً وعلى الهامش .
ــ حبست (باتعة) دموعها فى محاجرها المتكلسة ، عندما زعق القطار المغادر بصافرته المعروفة والمحفوظة عند الجميع محطة (بنى مزار) معلناً عن بداية الرحلة .
تذكرت أنها ” امرأة صعيدة ” وعزيز على أمثالها أن يرى الناس دموعها تجرى على خدودها ، حتى وإن كانت (الدموع) من غرائز المرأة عامة فى أى مكان وأى زمان ، حتى ولو كان المسافر زوجها و(أبوعيالها) وأن رحيله غير مأمول العودة ولا يعلم مداه إلا الله .
ــ مر شهر كلمح من البصر ، ومن بعده شهور عديدة .. ولا يعلم أحد من أهل (النزلة) شيئاً عن (رجب الناغى) .
حتى (باتعة) وولديها حبسوا خيبة الأمل فى محاجر عيونهم المتورمة (وكفوا على الخبر ماجور) ولاحس ولا خبر !
فى ” الدلايلة ”
حتى الحاج (…) الكبير الذى تخطى الخامسة والسبعين ، بعد انتهاء الانتخابات التشريعية ، وبعد أن حقق الحزب الذى يجرى فى ركابه ويستظل بظله لحاجة هو يعلمها .. نسبة الأغلبية الكاسحة التى تضمن له تمرير ما يريده من قوانين سيئة السمعة ، تخدم مصالح علية القوم أمام (العوام) وبعد أن سمحوا لبعض الأفراد ليتقلدوا بعض الكراسى لتكملة الصورة المراد تصديرها إلى الخارج ، حتى يبدو للناظر أن هناك صورة مخالفة للدورات السابقة .
ــ وقف دور الحاج (…) فقط عند التعرف على أحوال دار (رجب الناغى) من بعيد لبعيد .. بعدما انقطعت أخبار ولد (الناغى) وذلك فى جلساته الصباحية والمسائية التى كان يعقدها (بمندرة) داره بعدما أصبحت ساقاه لا تقويان على حمله للخروج منها ، وفقده الأمل فى تحصيل ما كان يحلم أن يتحصل عليه ، بعدما تولى (دسوقى حسان) مكانته على مستوى المركز ، تاركاً له أمور العمودية وأمانة الوحدة الحزبية بين يديه …
بالـ ” الدلايلة ”
فى حين كانت (باتعة) مربوطة فى ساقية لا ترحم بعد غياب زوجها وانقطاع أخباره , وتسرب إليها اليأس والقنوط خاصة بعد نزول (صابر) ابن (ناعسة) (للنزلة) فى اجازة وتأكيده لها أن (رجب) لم يلحق بمطار (جدة) وقال أنه انضم إلى عمل آخر لنفس الكفيل فى مكان آخر لا يعرف وجهته .
ــ عندها تأكدت (باتعة) أن الأيام لم تنته عند هذا الحد ، ولن تتوقف (الوالدات) عن ولاداتهن ، وأن كثرة النحيب والولولة والذهاب الى باب مندرة كبير (النزلة) الجديد المدعو (دسوقى حسان) والوقوف أمامها بالساعات سوف تطعم ابنيها وتكسيهما ، ويتقدم الخطاب لخطبة (سميرة) بنت…
الـ ” الدلايلة “…
وليس من شيمة أهل الصعيد التسول وطرق الأبواب .
= شمرت عن ساعديها ، وقطعت النخلات التى شاخت ، وكانت وراء بوار القراريط الخمسة .
عزقت الأرض وقسمتها لأحواض متساوية ، واشترت التقاوى ، وبذرت بذور (الخضروات) وجهزت (الشقرف) للقرط .. و(الشرشرة) للحش .. و(الخيش وقفص الجريد) لنقل الخضار , وفرشاً للبيع .. ثم روتهم بدمع عيونها قبل مياه (المروة) الملاصقة للسكة الحديد ، وسمدتهم بسماد صلابتها وصبرها ، وانتظرت وقت الإنبات .
حينها تخيرت المكان الذى سوف تفرش فيه بضاعتها .. وقع اختيارها على ذات المكان الذى كان يقص فيه (رجب) زوجها شعرالحمير ، ويجذ صوف الأغنام ، والكائن بين (مزلقان) السكة الحديد والكوبرى الأسمنتى المضروب فوق ترعة (الإبراهيمية) ببنى مزار حتى تكون تحت نظر صبى زوجها ووريثه فى المهنة شبه المنقرضة ، أوالتى تكاد (محب باسيلى) .
= تمضى الأيام والشهور ثقيلة ..{ واللى تبات فيه باتعة تصحى فيه} ..
غير أن (محب باسيلى) تقرب أكثر من (باتعة) وأصبحت تحت حمايته طوال (الضحوية) ببنى مزار .. هذا السبب الظاهر أمام الناس وراء عروجه إلى دارها كل يوم ، بينما الأصالة والعيش والملح لهما حقوق عليه تجاه من علمه حرفة وهو الأصل .
فتحت له دارها ، بعدما حمل جميل وزجها الغائب وأوقفه على قدمين ثابتتين بعد وفاة والده المقدس (باسيلى) .
بالـ ” الدلايلة ”
لفت نظر الجيران ذلك العروج المستمر لـ (محب باسيلى) على دار (باتعة) وزادت ساعات جلوسه بالدار فى وجود (سميرة) التى توقفت مكرهة عن رعى الغنمات التى تركها أبوها ، بعدما اضطرت أمها لبيعها الواحدة تلو الأخرى لسد حاجة الدار ، فالعائد من بيع (الخضار) لا يكفى المصروفات اليومية للدار.
خاصة وأن حصول شقيقها (خليل) على دبلوم الصنايع لم يشفع له فى إيجاد
فرصة عمل تعود على الدار بالنفع ، وزمام (النزلة) من الأراضى الزراعية لاتسمح له بشىء يفلحه ، ولا ببنى مزار بها خرم إبرة ينفذ منه لكسب مليم أحمر .
كثرت الأقاويل حول (سميرة) وصبى (قصاص) الحمير الجديد ، وتناقلت النسوة حكايا تشيب لها الولدان حول ما يحدث خلف الأبواب المغلقة , بعدما استطاع (محب باسيلى) من تشغيل (خليل) على (توك توك) أحد أقاربه ببنى مزار بعيداً عن …
الـ ” الدلايلة “…
سخن الدم فى عروق (دسوقى حسان) الذى آلت إليه ناصية كل الأمور ببنى مزار كلها بعد وفاة الحاج (…) كبير (النزلة).
دق باب دار (باتعة) الخشبى الضخم ساعة القيلولة ، وسط لفيف من أتباعه دقات متتالية ومفزعة .
لاقتهم (باتعة) بالترحاب وهى تتوقع منهم مد يد المعونة أوالمساعدة ، أو خبر يرد لها روحها المفقودة على زوجها الغائب.
إذ بأحد (الكوادر) الفظ الذى كان فى ركابه يحتد عليها بالقول الفاحش ، ويقذف بنتها بافظع الألفاظ النابية …
ــ استل (خليل) الذى كان متواجداً بالدار ، إحدى (مقصات) أبيه الحدادى الصدأة من فوق الرف الخشبى ، واندفع ناحيته ليرديه قتيلاً ..
وقفت (سميرة) بينه وبين الشخص المتعجرف .. تجرد (دسوقى حسان) مع أهل الدار فى حواره القصير .. ثم ما لبث وأصدر حكمة القاطع والبات على (خليل) وكل من بالدار ، بقطع علاقته نهائياً بالمدعو (محب باسيلى) وأقاربه .
ومنذ الساعة محظور ومحرم عليه النزول إلى
” الدلايلة “…
صدر هذا الفرمان يوم الجمعة الموافق 21\1\2011م ، والذى كانت الرسالات المتبادلة بين شباب الفيس بوك من خلال صفحة (كلنا خالد سعيد) على أشدها ، فى حين أخبار ولد (الناغى) تاهت وضاعت وسط إشاعات لا تهم أحداً …
بالـ ” الدلايلة ” …

السابق
المفدى
التالي
غَزّة

اترك تعليقاً