القصة القصيرة

الرحيل

ما بها هذه الليلة؟ ما لها تختلف عن سائر الليالي العادية؟ مبكرا يتثاءب فجرها، يخلع سواد الليل، يربت بأنامله البلورية على تلك الأحراش، وبهدوء يمسح سكونه، تنسحب تلك الهوام الليلية إلى جحورها، ويملأ ضجيج الخطاطيف قمم الأشجار قرب بيتنا الطيني، وبسرعة جنونية ينحدر القمرالباهت وراء التلال،وتجتاحها أنوار الفجر باهتة، ممزوجة بنسيمات الصباح الباردة، وتمسح سحب الليل الشاردة من السماء الرحب تماما٠
تلوح تلك الكتل الطينية تحت جنح الليل، وهي تلتصق بتلك الربوة كالعلق، يستيقظ ديكنا الكبير، قرمزي الأوداج، يصفق بجناحيه، ويصيح بصوت متقطع مبحوح٠
يكشط أبي نفسه من اللحاف، ويخلع عن أمي غطاءها، وهي لم تتخلص بعد من كوابيس الفجر، ويصرخ في وجهها:
– هيا يا امرأة، لقد أصبح ولله الحمد، والرجل على وشك الوصول٠
– عن أي رجل تتحدث يا رجل؟
– سي إبراهيم (مول الكارو) لقد اتفقنا اليوم في السوق الأسبوعي على ثمن الرحيل، وسيكون هنا بعد لحظات٠
تسود حركة خفيفة بهو بيتنا، ونحن الصغار أنصاف نوام، عين مفتوحة تراقب حركات أبي، والأخرى مسدودة، ونحن نتظاهر بالنوم٠ يشرع أبي في لملمة أشياء بيتنا، ويزعق، ويسب من حين لآخر، وهو يبحث عن أشياء مهمة أتلفها عدم اهتمام أمي، يكدس تلك الأشياء في أكياس من الخيش أعدت لجمع الحبوب، لم نكن نعرف ماذا يقع، ولماذا يجمع أبي أثاثنا المتواضع، فنحن الصغار دائما خارج اللعبة، ليس ضروريا إقحامنا في مشاكل الكبار٠
من خلال عصبية أبي، ولملمة بعض أطراف جمله، نستنتج بمخاخنا الصغيرة أنه يعد العدة، ويستعد للرحيل، لكن إلى أين سنرحل؟ أين سنهاجر؟ ولماذا سيقتلعوننا من جذورنا؟ لم تكن لنا الجرأة على أن نستفسره٠
تنتفخ قلوبنا، فتدق بقوة، ونتبادل نظرات الحيرة والقلق، فكل ما نعرفه عن الرحيل: كسر قشرة البيضة قبل التفقيس، سنخرج من ربوتنا كجنين خديج يسبق المخاض، سنترك أولاد الجيران، سنترك كلابنا الوفية تتدبرأمورها في تلك الخرابة التي ستلفظنا كتفلة إلى عالم آخر، عالم مجهول أكبر من فهمنا الصغير٠
تستيقظ أمي بعينين منتفختين من آثار النعاس، تشد حوضها، وتتألم ، وتشرع- مكرهة- في مساعدة أبي على اجتثاث ذكرياتنا: ولملمة أشياء تافهة لكنها ثمينة، فقد عشنا معها وعاشت معنا، وتشهد على ميلاد جميع إخوتي٠
أمي تحرص على جمع كل شيء، وأبي ينتقي ما يراه صالحا، اختلاف بسيط، لكنه يتسبب في مشادات كلامية حادة، تتطور إلى شجار عنيف، فهي ترى أن أغراضها ذات قيمة، أما أبي فيراها لا تصلح إلا للمزابل، والعربة لا تحتمل كل هذا الثقل٠
في غبش الفجر، يلوح ضوء باهت من بعيد، يختفي تارة ، ويظهر أخرى، والشعاب والروابي تتقاذفه، ويقترب ببطء من بيتنا، وسرعان ما نصبح قادرين على تمييزه، لم يكن له مقصد آخر، كنا في طريقه، كنا وحدنا على تلك الربوة٠
يستطلع أبي أمره، ويتنهد تنهيدة عميقة، تنم عن اطمئنانه، ويقول لأمي :
– وأخيرا وصل هذا المتعوس، لقد تأخر كثيرا والشمس على وشك البزوغ٠
وبنبرة حزينة يتخللها عتاب مبطن ترد عليه أمي، وهي منهمكة في لملمة ما تبقى من متاع دنيانا التافه:
– سترك يا رب٠
ويصرخ أبي في وجهها متأففا٠
-أسرعي يا امرأة، إبراهيم صاحب العربة وصل، يجب أن نكون في المدينة قبل أن تشتد الحرارة، ويلفحنا صهد الشمس، سنغادر هذه الأرض التي زهدت فينا، وتفلتنا كعلكة بلا طعم ولا رائحة، أصبحنا عبئا ثقيلا على هذه الأحراش، منذ سنوات، ونحن نقتات من ماء أمعائنا، ونشارك الضفادع والحشرات تلك البرك الموحلة، أرضنا رفضتنا يا امرأة، وبخلت علينا ولم يبق لنا من خيار غير الرحيل٠
تتهادى العربة قادمة إلينا، تتقاذفها السهول والروابي، فتبدو كسفينة تائهة في خضم أمواج بحر هائج، والليل لم يجمع أطراف برنوسه بعد٠ يسمع لهاث الحصان واضحا، وهو يغالب قسوة مرتفعات الأحراش٠
بحزن شديد، نراقب الوضع عن كثب، دون أن نتكلم، فنحن الصغار أشياء ستجمع ضمن مستلزمات الرحيل٠
بعد عناء وعياء، يصل إبراهيم، يقعي عند الباب كالكلب، كل الأفرشة كانت في جوف الأكياس، إلا خرقة بالية كنا نحتمي بها- نحن الأطفال- من نسيمات الفجر الباردة٠يمده أبي بكوب شاي ساخن، ويعالجه بكسرة خبز حاف، بقيت- قسرا- من عشاء البارحة٠
تختلف نظرتنا لإبراهيم عن نظرة أبي: نرى فيه معولا مخيفا، سيستأصل النبتة من جذورها، ويرميها في صحراء العدم، صحراء فراغ الذاكرة، فينتابنا شعور كراهية غريب لهذا القادم، صاحب هذه العربة المشؤومة التي ستتلفنا عن وكر ألفناه٠
يشرع أبي في رمي تلك الأكياس في العربة، ومحتوياتها لا تربو عن أسمال رثة، وألحفة امحت رسومها، فربما سنجد أحسن منها في مزابل المدينة، كما كان يعدنا أبي دائما٠
يكدسنا أبي كالسردين وسط الأكياس، وتلفنا أمي بإزارها المطرز٠ يقفز إلى جانب إبراهيم، هذا الرجل الذي كرهناه، وإن لم نتبين تقاسيم وجهه في ظلام الليل٠ يشد قنديل الزيت بيده اليمنى، واللجام بيده اليسرى٠ ومن حين لآخر تظهر لنا سحنته القمحية المتشققة، منقوشة عليها أشكال عجيبة، تعمق في قلوبنا كرهنا الشديد له٠
ونتكوم على أنفسنا، يندس بعضنا ببعض كالخرفان، وأمي تحضننا دون أن تكلمنا، شاردة الذهن، زائغة النظرات، وعلامات حزن شديد بادية على محياها، فربما هي أيضا، مثلنا،لم تكن راضية على هذه التغريبة القسرية٠
يتلمس إبراهم جنبات حصانه بالسوط، مرة جهة الوريد، وأخرى أسفل البطن، وهو يطقطق بلسانه٠ يفزعه فيعدو كخروف مرعوب بقرع الشنان، تتحرك العربة بسرعة جنونية، وهي تبحث لها عن مسلك في الأحراش٠
تستأذب كلابنا، تعوي عواء حزينا، أشبه بعواء ذئاب في ليلة مقمرة، وهي تشيع العربة، فتبتعد إلى أن تختفي تماما٠ ننتحب، نبكي بحرقة، لم نكن قادرين على إخفاء ذلك، فحلوقنا تؤلمنا، يلتفت أبي وبنبرة صارمة:
– أين سنضع هذه الكلاب يا أولاد؟ أنضعها فوق رؤوسنا؟ وأين سنسكنها، ونحن لم نعرف بعد رؤوسنا من أرجلنا؟
وتلتهم حوافر الحصان الأرض، وضربات السوط تنزل عليه غيثا مدرارا، فيشتد لهاثه، ويكثر زفيره، فيعوم في عرقه غزيرا٠ يضعف عواء الكلاب، ويبتعد، يسمع باهتا، ثم يختفي تماما وراء الشعاب٠ لكن، لم نكن نعرف أهو العواء اختفى أم أفقدنا حزن كبير مكور في حلوقنا حاسة السمع؟ كيف نتركها دون أن نلتفت إليها؟ ألم تكن هذه الكلاب جزءا منا؟ كيف نتنكر لها؟ كيف نجحد وفاءها؟ كيف نتركها تواجه مصيرا مجهولا في تلك الخرابة الموحشة؟ تساؤلات كبيرة تراود مخاخنا الصغيرة، فنسرط ريقنا مالحا، وبطعم الخيانة نتلمظه٠
تصل العربة إلى الطريق المعبدة، وإبراهيم بصدره البارز وعضلاته المفتولة، يدير بحزم دفة سفينته المبحرة في فراغ الليل صوتا وسوطا٠ يركض الحصان كالمجنون، وحوافره تعزف لحنا موسيقيا بإيقاع حزين، تشوبه مسحة من الوحشة والحماس والخوف، وتعكره من حين لآخر رفرفة أجنحة طائر تائه في مجاهيل حلكة الليل، أو نباح كلب حراسة٠
صور تنحت نحتا بالمبرد والإزميل في أدمغتنا الهشة، ربما لن تزول من الذاكرة مهما طال الزمن، وسيتمنع ويستعصي علينا نسيانها٠
كنا واجمين، صما، بكما، لا أحد يكلم أحدا، أبي أيضا شعرنا به يذرف دموعا ساخنة، لكنها في قلبه تقطر دما لا في مآقيه، فهو أيضا كشجرة اقتلعت – قسرا – من جذورها، فهو مثلنا كتلة أحاسيس ومشاعر، وإن لم يفصح عنها، فدموعه أشد وخزا من الإبرفي صمام القلب٠
في هذا الصمت الموحش، صمت المقابر، أحسست بيد قوية تنتشلني من العربة، وبرغبة جامحة في التقيأ والغثيان، وبدوار شديد. حاولت مقاومته، وتكلفت الصبر، لكن، إنها الذاكرة اللعينة تخطفني من بين إخوتي، وتحوم بي في زمن بعيد قريب، وتعيدني إلى أزرق العينبن، ذلك الأبله، الذي اكتشف المعلم – صدفة- أنه مسؤول كبير عن جمعية خاصة به، تهتم و تعنى برعاية الخنافيس والديدان والحشرات، وفي بعض الاحيان يهتم حتى العقارب، عندما يبرم معها هدنة طويلة٠ كان يجمع هذه الحشرات في علبة شاي صفراء، يطعمها لمدة أسبوع، ثم يطلق سراحها، ويجمع فيلقا جديدا وهكذا، تذكرت صورة ذلك الأرعن، والمعلم يجبره على ابتلاع تلك الحشرات، وهو يستغيث ويتقأ٠ كذلك كان زميلنا المستكرش الذي لم يكن يميز بين جنس البقرة والثور إلا برفع الذيل٠ تذكرته عندما كنا منهمكين في حل مسألة حسابية معقدة، أو هكذا كنا نراها، وكانت حجرة الدرس لا يتحرك فيها إلا الصمت، ولا يسمع إلا طنين بعض الذبابات الخارجة عن طوع المعلم٠ اشرأب قنفذ برأسه من جيب معطف زميلنا الفضفاض، وكان عريضا كفاية، لمحه المعلم، وهو يمر بين الصفوف فأمره بالتوجه إلى السبورة، هناك بدأت عملية التعذيب البدني القاسي، إذ يجبره على إخراج القنفذ من جيبه، فلا يرضخ هذا الحيوان الذكي لمشيئة المعلم٠ يتكور على نفسه، يستل أشواكه من أغمادها، ويمتنع عن الخروج، فيفلت وينجو بجلده، فيطرح مولاه أرضا، ويضع حذاءه الثقيل على بطنه، وكان لتوه بالغ في شرب اللبن خارج أسوار المدرسة، فكلما ضغط بالحذاء على بطنه كلما عالجنا بطلقات قوية من ريحه الكريهة، ورغم ذلك لايسمح لنا بالضحك، لأنه أشبه بالجريمة٠
انتابتني نوبة ضحك هستيري، وسرعان ما عدت لواقعي المر بصرخة من أمي، وهي تنهرني، وتأمرني بالتزام الصمت، فأجهشت بالبكاء .
كان نور الشمس قد تمكن من دحر فلول الظلمة، فتراءت لنا المدينة، ذلك الغول الإسمنتي القابع هناك، على بعد كلمترات قليلة، ومصابيحها المشنوقة في أعلى الأعمدة المنتشرة في كل الأزقة والدروب ما تزال ترسل ضوءها الخافت٠ كنا نقترب من هذه الكتلة الاسمنتية البيضاء، فتزداد معالمها وضوحا، فإذا بها أدغال كثيفة من البنايات التي تداعب النجوم في السماء٠ استفقت من غيبوبة شرودي، وقلت لوالدي:
– يا أبي، هل سأنقطع عن الدراسة؟
فكرأبي طويلا، وقال:
– يحلها حلال يا ولدي٠
لم أقتنع بجوابه، فأعدت طرح سؤالي بصيغة أخرى أكثر إيحاء:
– ألا ترى يا أبي، أن الأطفال هنا أيضا يلصقون محفظاتهم على ظهورهم الصغيرة؟
شعر أبي بضيق في التنفس حد الاختناق، وصاح في وجهي:
– اصمت يا ولد، متى كان أبوك خريج مدارس؟
فلفني الصمت من جديد، وكانت كل فرقعة من حوافر الحصان بلؤلؤة براقة كبيرة تتدحرج فوق خدي، وأنا أسرط ريقي بصعوبة كبيرة، ممزوجا بحشرجة نحيب مكتوم٠٠٠

السابق
تجشؤ
التالي
عيد مبارك عيد سعيد

اترك تعليقاً