القصة القصيرة

الزهايمر

زخات المطر فوق رأسه كالحصى، تغوص قدماه في الوحل حتى الركب،
القمر محاق و القرية تغط في نوم عميق، شخرتها تعلو ممزوجة بنقيق الضفادع و صفير الصراصير البحرية.
يكاد لا يرى الطريق و لكن قدميه تحفظانه عن ظهر قلب.
يبدو كقطاع الطرق باللثام المغطي لوجهه كله فيما عدا عينيه
يلتفت إلى الوراء و يرنو لبيت وحيد بابه مفتوحا دونا عن بقية البيوت ينبثق منه ضوء خافت، بعض رجال علي وجوههم كآبة كقارعي طبول الحرب و شاب في العشرينات بلغ غضبه الزبى، يتحرك بعصبية، هم أن يلحق به فأشار إليه قاطعا بالبقاء مع الآخرين.
ود لو طال الوقت ليشرح له أن كل ما يعنيه حمايته هو ليس إلا لذلك سيقتلها بعيدا بعيدا.
ثمة امرأة كتلة من سواد تولول في صمت و تلعن الساعة التي أخبرته فيها بشكوكها.
“فاطمة بنتك مش بكر يا حاج”
تستعطفه بالعدول عن قراره ليدفعها الشاب بعنف داخل البيت و يغلق الباب.
يجرجر شوالا من الخيش مربوطا بإحكام بحبل ليفي طويل، يبدو ثقيلا للغاية ينظر إليه في قرف و يبصق عليه بحركة رتيبة لا إرادية.
“لن يغسل عارك إلا الغرق في مياه النهر، سيجرفك التيار بعيدا، ستتغير ملامحك فلن يستدل عليك أحد.
ستقيد الجريمة ضد مجهول. و حتى لو حكموا علي بالإعدام لا يهم”
الطريق ليس طويلا و القرية كلها تنحدر نحو النهر و الأرض زلقة و الشرف غالي.
ومضات البرق تكشف أمامه الحجب، تختفي فيتخبط في ظلام أشد قسوة.
همهمة مكممة تخرج من الشوال بين الحين و الآخر كقطة تموء، احتكاك عظامها بالأرض يحدث صريرا مزعجا.
يستوقفه مشهد لكلب و كلبة يمارسان الحب تحت شجرة كرم استفزه المنظر فقذفهما بحجر، لم يفلح، اقترب بعصا غليظة يضربهما للتفريق بينهما و لكن انزلقت قدمه فوقع على ظهره، ابتعدا الكلبان ينبحان و هما ما زالا متعاشقين، شيء ما ظل يربط بينما.
قام بصعوبة متحاملا على قدميه، لوهلة شعر أن هناك شيء ما خطأ
“ما هذا المكان ؟ من جاء بي إلى هنا؟
ما الذي يحدث لي؟ ربما كابوس أقرب ما يكون للحقيقة و سأستفيق منه بعد دقائق”
يشعل سيجارة بصعوبة من رعشة عنيفة اجتاحته مع موجة هواء باردة، ينفث الدخان بعنف في مواجهة قطرات المطر الثقيلة،
تبرق عيناه بقوة و هو يحدق في الفراغ، يصمت لدقائق ثم ينهض واقفا متعجلا
“نعم هذا ما تستحقين أيتها العاهرة”
يمسك بالحبل و يستكمل الجر من جديد، يتحسسها، مازال فيها النفس
“قريبا سينقطع لا تتعجلي”
“أووووه أووووه أووووه”
ترد عليه متوسلة بتأوهات مخنوقة أشبه بهمهمة الخيول الحبيسة
“لقد أخطأت لما قبلت أن تستكمل تعليمك ما كان لك إلا المكوث في الدار بنات أعمامك الآن أمهات.
أوصل بك الفُجر أن تفعل هذا؟!
من هو و كم مرة عاشرك أيتها الفاجرة ؟ موتك لن ينقذه من الموت و كتمانك لن يجعله مجهولا للأبد”
“ما هذا الجو الغريب السماء لم تمطر هكذا من قبل؛ ما بال قطرات الماء تكبر كالحجارة. أهذا مطر حقا أم هناك من يقذفني بالطوب و لا أراه؟.
سألقيك في النهر كالحيوانات النافقة لتأكلك القراميط فهي تتغذى على الرمم و أعدك أني لن أذوق القراميط بعد اليوم.
أنسيت ثمرات التوت التي كنت أقطفها لك في الفجر ؟ أنسيت عناقيد العنب التي لم أكن آكلها إلا معك؟!
كم كنت أحبك”
ساحت دموعه و استشعر بسائل بارد يجري في عروقه أشعل جراحه
“كح كح كح ملعونة السجائر و ملعون البرد”
راح في نوبة قوية من السعال كادت روحه أن تخرج، سكت هنيهة و زاغت عيناه.
راح يتلفت حوله مستغربا المكان و الزمان، يحدج الوجود كله بنظرة ناقمة.
“ما الذي أخرجني في هذا الجو العاصف هل قامت القيامة؟ و ما هذا الحبل المربوط على وسطي هل كنت انتوي الرقص ؟!
لماذا لا أستطيع السير، و ما هذا الثقل الذي يبطئني؟
من أنا اصلا ؟”
لم يكن يعلم أنها أعراض ألزهايمر ظهرت عليه منذ فترة و لكنه كان يكابر
في المرة الأخيرة لم يعرف كيف يعود إلى بيته ظل جالسا أمام الجامع الكبير كالطفل التائه الذي لا يعرف إسمه، لا يعي ماذا عليه أن يفعل إلى أن التقطه أحد أقاربه و أعاده إلى البيت.
اقترب النهر، بدا ماؤه الرقراق فضيا معتما، أحس براحة، شم نفسا قويا و استرخى قليلا.
“هل أستحق منكي هذا العار؟
كيف سأرفع رأسي من جديد؟
سأقتلك و أتباهى بأني قتلتك
أنسيت أول كراسة و أول قلم رصاص ؟ أول علبة ألوان و أول حقيبة مدرسية؟!
مالك لا تنطقين؟!
و لماذا الطريق طويلا هذه المرة هل ضللت الطريق؟ هل أمشي في مكاني بلا تقدم للأمام؟”
يستأنف المسير و هو يرغي و يزبد، تبدو رأسه في الظلام كجمجمة مخيفة بها ثقبان يلمعان.
يستوقفه نعيق غراب فوق رأسه مباشرة على حين غرة، أصابه بالهلع، سقط أرضا، كان الخوف يملأه، لم يقدر على الوقوف، تمدد على الأرض و أخذ يلهث من التعب، نبضات قلبه تتسارع، يهدأ قليلا و يشعل سيجارة أخيرة معه، بدا مهزوزا يتصبب عرقا باردا.
“لماذا أنا هنا الآن ؟”
عادته النوبة من جديد و لكنها أكثر حدة عن ذي قبل، ما عاد يذكر شيئا
“لماذا جلبابي غارق في الطين ؟”
ما تزال يده قابضة على الحبل بقوة
“ما هذا ؟ هل هو كنز ؟”
يفتح الشوال بتؤدة، تلاقي ناظريهما أحدث شرزا كهربائيا أضاء المكان. دهش لما رأها فتاة في ريعان الشباب تنتفض من الخوف و البرد، هناك آثار ضرب و تعذيب و سحل على جسمها و بقع دائرية كبيرة من الدماء أسفلها.
تبدو عارية بغلالة رقيقة مبلولة على جسمها الأبيض الرقيق تصفه بعناية،
ترنو إليه مذهولة و هي تحمي وجهها براحتيها كلما حرك يديه مازالت تنزف من أماكن متفرقة
فكر أن يحتضنها و يقبلها ما بين عينيها و لكنه خاف من ردة فعلها فهي لا تعرفه.
فكر أن يسألها عن كل شيء و لكن ذاكرته لم تسعفه و عقدة في لسانه منعته عن الكلام.
فك القيد من يديها و قدميها، خلع جلبابه المبلل و ألبسها إياه و هي تنظر إليه مستغربة في وجل، تمسح بقايا طين على وجهه في حنان، أشار لها بالرحيل، لم تنتظر حتى تلتقط أنفاسها، تركت ساقيها للرياح و انطلقت بسرعة البرق، تابعها قليلا و هي تجري و تسقط كل خطوتين تلتفت وراءها كالهارب من الموت، نظراتها قلقة حائرة مذعورة.
تساءل في نفسه مشمئزا “من هي؟ و من فعل بها هذا ؟ و لماذا؟”
، نظر إلى نفسه منتشيا و هو بالكلسون و الفانلة الداخلية، تمدد برهة على الأرض و قد خفت المطر و بدأ نور الفجر يشقشق خجولا.
أسقط اللثام المترهل و كشف عن وجه رائق صبوح، فكر في أخذ غطس في ماء الفجر الدافئ و جمع بعض حبات التوت لشخص ما عزيز عليه و هو يكمل طريقه حثيثا منزلقا في اتجاه النهر.

السابق
تأويل
التالي
التلقي المرضي…

اترك تعليقاً