القصة القصيرة

الزهرة البيضاء

موسى يبلغ من العمر الثمانية والخمسون لازال قوي البنية ، يبلغ طوله مترين وعشرون سنتمتر ، حجم ذراعه يوازي أفخاذ كثيرا من الناس. لا يؤوب من العمل إلا مع المغرب باديا على سحنته التعب ، يبتاع من عند الجزار 500 غرام من شرائح لحم العجل الصافية ويمر على دكان الحي ، وكالمعتاد يأخذ خبزه وقارورة العصير، ورطلا من القهوة والموجود من الفاكهة
يدخل إلى بيته متثاقلا بعد فتح الباب يرجعه برجله قاصدا المطبخ ، وبعد أن يضع حمولته على الطاولة يفحص الزيت في المقلات ، فهو لا يستبدل الزيت كل يوم ، يضع فيها شرائح اللحم مع كمية من الملح ، يشعل النار ، وهو يرمي بن القهوة البايت ويضع آخر جديد دون أن يغسل الإبريق ، يقصد غرفة النوم يشعل التلفاز على قناة الجزيرة يتكئ بثياب العمل يشعر بألم يخترق ظهره كما يخترق المسمار الخشبة ، يغمض عينيه قليلا استجلابا للراحة وينهض مسرعا إلى المطبخ يفرش جريدة على الطاولة يطرح عليها حبة موز وبرتقال والخبز والعصير والمقلات فهو لا يستعمل الصحون والكؤوس ، يحمد الله ويشكره ، وينهض إلى فراشه يرمي الحذاء في الرواق ، وهو يضع رأسه على الوسادة الباهتة اللون يتذكر أنه لم يزر أرملة صديقه هذا الأسبوع ، وأخذ يؤنب نفسه ويصر على زيارتها غدا قبل مباشرة العمل.
ينهض مع أذان الصبح يتوضأ مسرعا ، يضع إبريق القهوة على نار خافتة ، ويبدأ في قضاء صلوات الأمس من الظهر إلى العشاء وما أن يسلم من الصلات حتى يركض حافيا إلى المطبخ يسكب كل القهوة في فنجانه المشابه للصحن ويضع خمس ملاعق من السكر وهو يدعو اللهم أجعل كل أيام المسلمين سكر وأهدنا الصراط المستقيم يحرك القهوة وبعد أن يغمس نصف الخبزة يبتلعها في قضمتين وينهض عن الطاولة أيضا مسرعا إلى حذائه ومن ثمة إلى المسجد ليصلي الفجر حاضرا ويقرأ بعض من القرآن إن قرآن الفجر كان … ولما أنهى التلاوة
ووقف يرجع المصحف لمحله حياه جاره عيسى
– صباح الخير سي موسى
صباح الخير يا عيسى
– أين ستصلي اليوم الجمعة ، ما رأيك لونصليها
بمسجد 1 نوفمبر أومسجد أبن باديس
إحتار موسى وأختلط كل شيء في دماغه وراح يسأل لماذا أليس اليوم الإثنين بربك أحقا اليوم الجمعة ؟ ياه ما أضعف الإنسان ؟كانت حساباتي غير هذه ، إذن سأعود لمكاني لتلاوة سورة الكهف ومن ثمة سأغتسل وأذهب إلى الحلاق كعادة كل جمعة. وما أن تم فتح المصحف حتى ساحت أفكاره ، وتاه قلبه بين محمد ذالك الطفل اليتيم المستعبد من طرف زوج أمه ذالك المخطرف السكير ، وولده علي المغترب المتزوج من فرنسية ، ورسالته الوحيدة والأخيرة التي يرجوه فيها أن يترك ذالك القربي وأن يلتحق به وسيأجر له شقة في عمارته … و و و و و ويعيش من معاشه بمفرده في شقته ياه ، ياه يإبني حجرا من وصيد هذا القربي كما تقول خيرا لي من كل أوروبا وليس فرنسة فقط فهنا أشم رائحة أمي وأمك ، فيا ربي سامحني فعلي قرابة طين ومحمد قرابة دين فهذا الأخير يوم كسرت ساقي ولزمت فراشي من دونه لم أجد إنس ولا جان ، أي نعم كان يسرق كحل العين ، وكنت أيضا كل صباح أوجد له ما يسرقه حتى ذاك المساء حين عاد وأعاد لي ما سرق وهو يبكي معتذرا
-يا عمي موسى زوج أمي هذا لو وضعت كل الدنيا بين يديه سيظل يضربني وأمي إلي أبد الآبدين ، ولهذا جئت لك لا كالعادة طلبا للمبيت
بل لأودعك ، سأتركهما وأترك الحي وربما كل المدينة سامحني سامحني يا عمي موسى على كل ما بدر مني وأندفع يحضنه …
فأجلسه موسى أمامه قائلا :
أترضى ويعجبك العيش معي بشرط أن تعود إلى المدرسة وتجتهد في الدراسة
وهاهو سيتخرج هذا العام بإذن الله طبيبا )) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد . صدق الله العظيم)) وطوي المصحف وهو يرتكز على كفه مندفعا للأعلى لينهض …
– يا مولانا يا الله ، بسم الله ، بسم الله
يا ولدي يا إسماعيل ألم ترى إبراهيم
– يا عمي موسى من منهما الإمام أم القيم ؟
– ما لي بالإمام إنما أبحث عن القيم أين هو ؟
-إنه بقاعة النساء ينظف السلم ، ربما يكون قد انتهى
– شكرا يا ولدي . ووضع موسى شيئا ما في يد إبراهيم العجوز العائل ، وراح هذا الأخير يتمتم دعائه المعتاد أن ربي يسر ولا تعسر ربي إفتح على كل مسلم ومسلمة و موسى يؤمن وهو ينزل الدرج إلى الحلاق … وهاهو الإمام يخطب في النجاسة وفقه الطهارة ، وموسى تحتك أمعائه فهو لم يأكل شيئا من الفجر يلوم نفسه هل هناك من ينسى الأكل ، يستفيق وينعل الشيطان مع دعاء الإقامة ، وما ان يسلم الإمام حتى يندفع مع المسرعين في الإنصراف إلى الطباخ ومن ثم إلى الخضار ليبتاع كيلو غرام من العنب الأسود وبعض من الزهر الأبيض يرشقه في العنقود الأسود ليأخذه إلى زهرة في المستشفى . فذات يوم وموسى كعادته كل جمعة أوعيد أو عطلة يعود المرضى الغرباء في المشفى القريب من بيته صادف وأن رأى زهرة تلك المرأة الهيكل العظمي، لكنه كان يرى في وجهها مسحة من جمال وكان كل ما رآها يشفق عليها في سكناتها وحركاتها خاصتا حين روت له الممرضة فاطمة قصة حياتها المأسوية وكيف طردت من بيت أبيها وعمومتها مجردة من أبسط حقوقها ، والطريقة الوحشية التي سلب بها إبن عمها عفتها واضعا رجلها غصبا في سبيل الشيطان و القبح والخّسة والرذيلة ومع الزمن هاهو الباقي أمامك من دمية كانت ذات يوم زهرة
حينئذ قال موسى : ولا زالت إن شاء العلي القدير وسكت برهة راح ينظر فيها إلى بياض الحائط مخلخلا رأسه كأن يستكمل فكرة لا زالت تختمر في عقله ثم إلتفت إليها قائلا : وإن شئت أنت يا إبنتي يا فاطمة فردت البنت الجميلة فاطمة وهل يا عمي موسى رأيت إبنتك فاطمة يوما بغضت بشرا حتى لو كان عدوي ، ولما لا أشاء الخير لهذه المسكينة
فرد موسى بسرعة مقتنصا الفرصة حتى بدى يتعثلم في كلماته المقتضبة السريعة يا بنتي إبتكري إذن الطريقة التي تنقلين لها بها إعجابي
لا لا تكملي أعلم أنها تتقبل الموت بكل سرور ولا تنظر في سحنة أي ذكر ، ولكن يا بنيتي يا فاطمة هذا دورك والمطلوب مهارتك … اذكريني عندها كما تعرفيني ، ومع الزمن تعددت الزيارات والإبتسامات وكتب الدين والمصاحف المزخرفة والفساتين والجلابيب وأخضر الغصن اليابس وملئه الزهر الأبيض واستنار البيت المظلم وانتظم وملئه الدفئ والحب والحنان وكانت دعوات زهرة تلحق بموسى أين ما حل ، ففي جوف كل ليلة كانت تدعو له بالخير بل تتوسل الله أن يجنبه كل سوء وشر، يا ربي هو تاج رأسي ، كبدي وبؤبؤ عيني تعلم يا ربي أنه منقضي . ومرت ألأيام على هذا المنوال إلى أن أفاقت زهرة ذات فجر ، وبعد أن صلت الفجر. وطفقت تستنهض زوجها ، تنذره ان صلاة الفجر فاتت دون ان يرد إتجهت إليه متأنية ، ولما وضعت عليه يدها وأعادت الكرة..شهقت وسقطت عليه ، وهاهو شاب وسيم أنيق يقف بين قبرين يحوطهما الزهر الأبيض رافعا يديه يتلو بسرعة سورة الفاتحة ويكرر الصلاة على سيد الخلق راجعا إلى حبيبته , أمله , حياته
وتروح السيارة تبتعد عن سكون الجبانة وتدخل شيئا فشئا تنغمس في الضجيج .

السابق
إبن
التالي
ذاكرة الصمت

اترك تعليقاً