القصة القصيرة

السائر وحيداً

كان يمشى الهوينى ..
يختال كالطاووس بين الربا مزهوًّا بوضع و مكانة وصلتا إليه ذات يوم على وجه ما ..
كان لا يعبأ بما يدور من حوله ..
بينما كثير من الناس من أبناء جلدته إلى سنوات قريبة تراهم دائمًا منبطحون على الأرض يتضورن جوعًا ..
يلعقون مؤخرتهم بكل لسان ، و يحملقون بعيون غاربة فى بحور الليل البهيم ، و اتساع الفراغ من حولهم و أيديهم ممدودة فى جيوب بعضهم البعض يأخذون ما تطوله أصابعهم الطويلة بغير حق ..
عند انتباهته ــ و فتراتها قليلة ــ من خيلائه الكاذبة .. تسوخ قدماه الملطختان بدماء و كدح الآخرين حتى الأرداف فى بطن الأرض الجدباء الطافحة من حوله ..
تتسع حدقتا عينيه الجاحظتين إلى آخر مدى ..
غير أن اتساعهما لا تستطيع معهما كل العدسات الصناعية الملصقة بهما ، و لا صبغات الشعر المستخدم بأم رأسه من حجب جبال الخوف البادية عليه ، و الإخفاقات المستمرة و الدائمة على تقاطيع وجهه ..
يحاول سرًّا و جهرًا كظم غيظ أفراد أسرته الصغيرة و كفكفة دمع عينيه المحبوس داخل أمعاءه المتخمة بلحم و عويل أبناء جلدته ..
تغلبه كل التدخلات الأنثوية المفروضة عليه ، و رغبة
الابن الأصغر ..
هتف بصوت مبحوح :-
أبدًا ..
و مضى فى طريقه المرسوم بدقة متناهية في الخارج و الداخل ، و بكل ما كان يحمله من مناصب حالية و سابقة بإرادته و بدونها :ــ
“سيحكم التاريخ (بما لنا .. و ما علينا) … إلخ” .
فى حين لم يجد من يعينه على حك جلده المهترئ ..
فجأة ..
تصاعدت من جوانحه أعمدة الدخان الأسود المتراكم داخل ضلوعه الملتوية منذ سنين ..
صعدت إلى السماء السابعة ..
عبقت كل البقاع بالروائح الكريهة ..
تحولت المساحات المسموح له فيها بالرؤية إلى كتلة واحدة من الضباب الكثيف كادت تئد حياة الكل فى خضم حقده القديم ..
رفع إصبع يده التى اقترفت كل الموبقات على مدى ثلاثين عامًا من الزمان بمحاذاة مركز إبصاره ..
بدت أمامه كل الجدران الشاهقات و الكبارى العاليات الممتدة لكيلومترات كثيرة كالخطوط المطموسة وسط صفحات ناصعة الألوان ..
فى حين كانت كل أعين البشر ترى في أرجاء الدنيا على الشاشات الممسوخة صفوف طوابير الجوعى من دود الأرض المنتشر بين راكع و خانع إلى حد الاحتضار ..
فى نفس اللحظة ..
ترتج الصورة فى دولاب الحكم و حاشيته و الممسكين بعصا الصولجان من خلف الستار السميك ..
تمور فى الخفاء أنفاسهم الشريرة من بين أصابعهم المشقوقة لآخر زفرة شهيق عندهم ..
لايقوون على الوقوف فى أماكنهم من غير الضرب بأيادِ غليظة من جديد و هم يتساءلون :-
ماذا أنتم فاعلون ؟
بالرغم من نزيف مآق الناس الموقوفة وسط الساحة دمًا كالح اللون أسِفًا من وقع تلك الكفوف الغليظة على الجباه و القفوات و كل موضع بأجسادهم العارية ..
يسددون ثمن ارتجاج الصورة في دولاب الحكم أضعافًا مضاعفة ..
تختلط الألوان و الأرقام المطلوب تحصيلها من أعينهم لعينى السائر وحيدًا .
بين لحظة و أخرى ترتع فيها دبابير الظلام و الخفافيش ، ما بين اتخاذ القرار ، و حالات التردد و الاستفاقة هنا و هناك لقرار التوريث الحتمى للحكم ، و تزيينه فى كل الأعين .
فجأة ..
يحط طائر (الرخ) مفرود الجناحين على أحد كبارى
العاصمة بجوار عقار .. جامعًا كل ميادين الوطن .
ينقر نقرة واحدة فى الأصلاب المرتجفة ..
تنكشف بعض خبايا الصورة للرائى ..
يقوى سواعد كل المارة ليتسلموا الراية ..
يهتفون فى صوت واحد :-
أوقفوا خطوات السائر وحيدًا سلميًّا ..
حملقوا فى باقى البرواز ..
كل من سمعوا النداء فركوا أعينهم الوارمة عدة مرات عجبًا ..
لم يفهموا مغزى الرايات التى تخترق جو السماء .
بعد سريان الدماء فى العروق المرتجة جمعوا أطراف المشهد بالكامل ..
استجابت السماء للنداء الحق ..
علا النداء ..
“اقذفوا بكل من يسير وحيدًا مختالًا كالطاووس بمنصب أو جاه ، و إن كان برتبة طيار إلى غياهب الجُبّ” .

السابق
درس اول
التالي
افتقاد

اترك تعليقاً