القصة القصيرة

السقوط صعوداً

السقوط صعوداً

تباغتني حالة من الحزن ممزوجة بالألم وشيء من الدوار يضع هالة غريبة على عيني … أصرخ … لا … لا … محالٌ كيف حدث ذلك …؟ كنا سويّة البارحة حتى العاشر ة مساءً … كيف مات …؟ ما الذي حدث له ..؟ أصرخ .. لا تزال في مقتبل العمر .. ماذا جرى لك .. ومن ثمّ تنتابني حالة من البكاء وأبدأ أركض باتجاه دار نذير وقد انفتحتْ عليّ بوابات الأسئلة مشرعةً… كيف مات ؟ وتراءت لي أشكال من الموت لا حصر لها …
يستيقظ الصبح على حزنٍ تمدد في الضيعة , حيث تبدو الريح وكأنها ميتة وقبة السماء فقدت ألوانها .. تصل جموع الناس إلى دار نذير حالات الصراخ والبكاء والعويل تملأ الدروب تمزق الثياب .. وشدُّ الشعر واللطم .. أقلّ ما تفعله النسوة في هذا الموقف .
أعتقد أن ما قدرتـُه وخفتُ منه قد وقع .. كم مرة نصحتك يا نذير .. كم مرةً قلت لا.. لا تخاطر ستكون مقتلك لكنك كنت تأخذ الأمور بلا مبلاتك المعهودة .
صباح اليوم هو صباح عيد الأضحى والمؤذن يبدأ التكبير والضيعة تستيقظ جَـفلةً على حدثٍ غريب لم تعهده من قبل .
لم أستطع الدخول إلى الغرفة التي سجي فيها جثمانه.. أقف قي ساحة الدار ألوب أبحث عن أحد يملأ جوف فضولي ..
يخرج الدكتور فضل من بين الناس بعد أن يكشف عن جثته فيزيد خروجه حالة البكاء بعد أن يؤكد وفاته .
أسرع إليه أسأله :
– دكتور فضل كيف حدث ذلك وما الذي أصابه …؟
– كَسرٌ في فقرات الرقبة وتهشم في الجمجمة نتيجة سقوطه من السطح .
– وكيف سقط ؟!
– لا أعلم قيل أن الذاهبين إلى صلاة الفجر وجدوه ملقى في الزقاق الضيق خلف داره وقد نزف كثيرا دون أن يشعر به أحد .
– ومتى حدثت الوفاة دكتور ؟
– أغلب الظنّ ما بين الثانية والثالثة صباحا .
أتركُ الدكتور فضل بعد أن سرت معه قليلاً, وأعود إلى دار نذير .. يستوقفني جاره فاضل مواسيا إياي بنبرته اللاذعة فيقول .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. والعلم عند الله أنه صعد إلى السطح بعد منتصف الليل كي (يحرّك) صحن الدش الذي ركّبه منذ أيام ٍ, والمعلوم أن نذير “رحمه الله ” مغرمٌ بالأفلام الأجنبية والأخبار ..
وعلى حدّ علمي أنه من سنة حتى الآن بدّل أكثر من ثلاثة صحون ويقال أيضا _والله أعلم _ إنّه نتيجة الظلام الشديد سقطَ من السطح أو ربـّما داهمه النعاس فجأة فأخطأ الاتجاه فسقط .. وانقرفت ربقتُهُ ولم يعلم به أحد ..
لم أجبْ فاضل بشيء, فقط أزفر في وجهه زفرةً عميقةً, وأشيح بوجهي عنه جانباً, وأسند ظهري إلى الجدار وأبدأ بالبكاء .
كان الناس يتوافدون إلى بيت نذير واجمين مطرقين في حالة من الرعب العميق , يغرقون في حزن ٍ صموت ٍ.. عطّل عليه فرحة العيد .
تلتقط أذناي حديث رجلين يقفان إلى جانبي .. يقول واحدٌ للآخر .. الله يرحمه على هذه الميتة ومتى ؟ مِصباحَ العيد أي والله هو من أهل الجنة والشابُ التائبُ حبيبُ الله .
يردُ الآخر : يبدو أنّ المرحوم من أهل التقى والصلاح حتى اصطفاه ربّه في هذا الصباحِ المبارك … والله كان من أهل الخير دائماً يحسنُ إلى جيرانه وذويه رغم أن حظّه قليل في هذه الدنيا الفانية .
إيه ” الله يرحمه … نياله على هـ الموته ”
بدأت أسمع أشياء لا أعرفها عن نذير .. فكرت لعلها من جانب خفيّ عنّي لا أعرفه عن ابن ضيعتي .
يطلب شيخ الضيعة أن يُعجّل بدفنه كي يتزامن دفنه مع وجود كلّ أهل الضيعة في المقبرة فتكون له جنازةٌ تليق به بعد صلاة العيد … ثم يؤكد للحاضرين أن نذير _رحمة الله عليه _ ربما أصابته حالةٌ من الوجد فصعدَ إلى سطح داره ويرفع يديه بالدعاء إلى ربّه في هذه الليلة المباركة ، ويدعو أن يفرّج كربه ويحلّ مشاكله فأطال المكوث فوق السطح , واغرورقت عيناه بالدموع ونتيجة حالته هذه سقط , والعلم عند الله .
لكنه يعود ويؤكد للموجودين ,أنّ المرحوم ظهرَ من أمره صلاحٌ في أيامه الأخيرة فكثرت صلاته في المسجد وحضوره مجالس العزاء وحلقات الذكر ثم يتابع الشيخُ تعددت الأسباب والموت واحد .. المهم أن موته في هذا الصباح, يؤكد صلاحه وتقاه وما جُبلت عليه سريرته .
” الفاتحة لـروحه”.. ثم قال ما رأيكم أنْ أقترح على ذويه أن يضحّوا له في هذا اليوم المبارك مباشرة .. ثم انطلقَ .
داهمتني دوامةُ البكاء من جديد فبكيتُ ..
بعد قليل يدخل رئيس المخفر برفقة شرطيين يكشف عن جثة نذير ثم يخرج , وقد طلب من مرافقيه أن يُـــقفَــل المحضر على أنه قضاء وقدر ، وباعتبار أن المتوفى ليس له أعداء , وأهله لن يدّعوا على أحد والقصة وما فيها أن الرجل ضاق خلقه من الحرّ الشديد فصعد سطح الدار ومن ثم تعثرت قدمه, وسقط والبقية معروفة ..
يبتعد رئيس المخفر , يرافقه عمّ نذير ثم أسمعه يقول بصوت مرتفع ممزوج بالرضا الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته ويردد الشرطيان آمين .
أمسح ُ دموعي.. آخذُ نفساً عميقاً .. أرقبُ الناس حولي
… نذير رفيقُ دراستي حتى الثانوية , شابٌ في الثلاثين من عمره فرقتنا الأيام وعدتُ بعد زمن ٍ إلى ضيعتي لأجده سلك أكثر من طريق, لكنه أخفق سبّعَ الكارات ولم يوفق .
كان آخر أحلامه زوجةٌ وبيتٌ صغيرٌ وهو واحدٌ من أسرة ٍ كبيرة ٍ , فقدتَ معيلها ورث عن أبيه قطعة أرض ٍ صغيرة .
كنتُ أسألهُ دائماً بعد كلّ غيبة .. كيف حالك ..؟! فيجيب مبسوط والحمد لله رغم أنفي .. ألا يكفي أن عُــــقدي لا تزيد .. وكـــّنا نضحك معاً.
كان يقول لي دائماً أنّه يحتاج إلى ثلاث خيام ٍواحدة ينصبها أمام مكتب البطالة وأخرى أمام مكتب الشؤون الاجتماعية , وثالثة في قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه .
كانت حياته كلّها سأم راكدٌ حياة زمنٍ مقيتٍ ..
أستفيق من شرودي على دعوة الناس إلى صلاة العيد.
أصلي بين الجموع الكثيرة يرفع الإمام يديه بالدعاء لنذير … محظوظ أنت يا نذير ! لم أرَ هذا العدد من الناس منذ زمن .. محظوظ لكثرة حبال الدعاء الموصولة لك بالسماء..
يخرج الناس من المسجد .. يحملون جنازته .. ويتجهون نحو المقبرة .. أمسكُ بنعشه تموج في عيني نظرة ألم ويغيم المكان بالدموع ، كنت أسمع عبارات تتكرر مراتٍ ومراتٍ خلفي “الله يرحمه – نياله – الشاب التايب ” ……..
قرأ الإمام القرآن على قبره ودعا له وأمّن الناس خلفه ثم طلب إمام أن يُعزى أهله في داره ..
أتجهُ إلى هناك .. الشمس تعلو خلف ظهري .. أصل قبالة داره .. أرى جارته ” فتون” تقف على سطح دارها الملاصق تقريباً لسطح دار نذير تبكي وتنوح ويزداد نواحها عندما تراني .. تصيبني شهقةٌ فزعةٌ ..
أتذكر نذير البارحة عندما كرر دعوته لي كي نذهب إلى بيتها بعد منتصف الليل فرفضتُ وطلبت منه ألاّ يطلب مني ذلك مرةً أخرى قهقه ضاحكاً وقتها ، وقال لي لعلك لا تستطيع أن تنطّ من سطح دارنا إلى سطح دارها بسبب كرشك الكبير.. استحلفته أن يقلع عن فعلته لكنه أكدّ لي أن الليلة ليلة عيدٍ وكل حيٍّ مشغول بشؤونه وزوجها لن يخرج من السجن قبل سنة .. والحياة ساعة متعة… وضحك ثم قال احسبها جبران خاطر لهذه المسكينة ليلة العيد..!
أرفعُ رأسي أنظر إليها مرة أخرى تتلاقى نظراتنا التفت حولي لا أحد يراني أشير إليها بيدي إشارة العارف وبحركة من إصبعي توصل في الهواء من بين سطح دارها وسطح دار نذير تجيبني بحركة من رأسها ويزداد بكاؤها ..
أعضّ على شفتي الآن أيقنت أنه يجب أن أدفن معك سري وذكرياتي يا نذير ..
أبصقُ في وجهها وأدخل مجلس العزاء تنتابني ارتجافةٌ عندما تتراءى لي صورة نذير يقف في تابوته على أكتاف المشيعين يمسك بحبال الدعاء يحدق بالناس من حوله ويقهقه ضاحكا .

****

السابق
الشــاعرة
التالي
رائحة الحرباء

اترك تعليقاً