القصة القصيرة

السيدة

تلك المليحة المتبسّمة ، الّتي ركنت سيارتها منذ قليل ، تلك هي صاحبة المعمل ، قال أحدهم للكهل الّذي كان يسأل عنها .
على عتبة العقد الرّابع تقف أحلام محتفظة بجمالها ، بل ربما ازدادت جمالا في نظر الكثيرين ممن عرفوها .
أريدكِ لأمر خاص ّ آنستي ، قال الكهل بعد أن ألقى تحيّة الصّباح .
إذا كان الأمر متعلّقا بطلب عمل فأنا آسفة أيّها السّيّد ..أجابت بعد أن ردّت تحيّته .
لا أيّتها الفاضلة ، بل هو موضوع خاصّ وذو أهمّيّة رد ّعليها .
داخل مكتبها الفاخر استقبلته وراحت تصغي الى ما جاء من أجله ..كان الرّجل الأنيق ذو الخمسين عاما ، تزيد أو تنقص قليلا مسهبا في الإعراب عن مسألته ، بينما فتحت هي صفحات مخيالها لتستأنس ببعض من جراح ما ضيها ..
طفلة ً رأتها تلهو مع أترابها بتنانيرها القصيرة وربطات شعرها الوردية تتأمّرعلى الجميع بما يكفي لتأليب رؤى الكثيرات من صويحباتها عليها ، فلا تكاد ترى الا حاملة شكواها الى أحد والديها او كليهما باكية مصابها الذي لا يعدو ان يكون شقاوة احد الصّغار بالتهجّم على لعبة من لعبها أو النيل من كبريائها ، ولكنها سرعان ما تسر ّ ملء محيّاها تحت إطناب والديها على جمالها وخفّة دمها ، إذ ذاك تركض نحو المرآة تغازل وجهها الجميل ممرّرة اصابع يدها على جدائلها المسدلة هامسة الى نفسها أنّها الاجمل والأ قوى .
بُعيد تخطّيها العقد الأول وجدت أحلام لذ ّة الانتصار في تفوقها الدراسي على كل ّ صحبها ، ولطالما وقفت مقدَّمة عليهم مكرَّمة، مفتكّة من غريماتها خاصّة النّصر افتكاكا ، هنالك لاحت لقلبها سدّة المجد فمضت اليه الهوينى متأكّدة من بلوغه .
مر ّ العقد الثّالث أو كاد جميلا جمال أحلام أحلام الوردية ، وصلت غاية ما ظلّت تتمنى ان تبلغه،تخرّجا من الجامعة بتفوّق ثم ّعملا راحت تصرف به عناء الدّهر وترد ّ به جزء من أفضال والديها عليها .
وغير بعيد عن عرشها الجديد لاح في سماء قلبها حلم آخر..بل أغلى وأحلى ، إنّه نصف القلب الثّاني الذي يتوق اليه كلّ ذي كبد ..
وعبر عرض ِ بحر تطيب أنسامه حينا وتهب ّ عواصفه أخرى أبصر قلبها ما لم تبصره عيناها من قبل ، حين عبرت الى الضّفّة الأخرى من جزيرة حياتها ،رأت عالما غير العالم وعِلما غير العلم ، هنالك حيث الجسد الوطن والعواطف العلم بدأت ولاول مرة يضطرب الحلم بالواقع و يصطدم المرغوب به بما هو كائن عندها ،هنالك الأحلام لا تصنع والمرغوب به لا ينال بالاجتهاد ، هو الشّق الآخر من القلب هو الحب ّ الّذي يأتي او لا ياتي ، فانتظرت وانتظرت على ضفاف أحلامها نوله ..ولكن ذلك لم يحصل ، يبلغ مسمعها بين الحين والحين نبأ ارتباط فلانة ممن كانت احسنهم بفارس أحلامها ، ومع انّها كانت تسرّ لذلك إلا ّ أن ّ قلبها المسكين كان يبتلع جرعة أسى ممزوج بأمل بقادم جميل ..
ما اصعب بلوغ حلم الوصول الى شقّ القلب الآخر ..تلك كانت خلاصة ما تعود به من رحلة البحث في الضّفة الأخرى من ضفاف أحلامها الوردية ..
وعبر أمواج بحر حياتها الهادئ الهادر مرّت السّنوات تترى مثلما مرّت أحلام قلبها الجريح ..وعلى صفحة المرآة التي طالما وقفت امامها هامسة اليها بأنّها الأجمل والأقوى ، راحت تمرّر أصابع يدها على قسمات وجهها موجسة في نفسها خيفة أن يفعل بها كرّ الجديدين أفاعيله ، فتتكسّر مجاديف مركبها ويتيه ملاّح عمرها في بحر آمالها الهادئ الهائج ..
وفي حلم يقظة إنتاب مخيّلتها فكر غير الفكر ، إذ حدّثتها نفسها عن صنع شريك ..
نعم تصنع شريكا كما تصنع الأشياء، رجلا بملامح خاصّة تقهر به كل ّ الجميع رجالهم والنّساء ..رجلا يتبعها أنّى توجّهت ، تستعمله كيفما تشاء وفيم تبتغي ..وعبر الأيّام ازداد تعلّقها بالخيال الحلم ، فكان ذلك مشروعها الأوحد في القادم من عمرها، وأحسّت أنها سوف تنجح في الوصول اليه مثلما نجحت من قبل في كل ّ أحلامها ..ومرّة ركبت عرض بحر آمالها ولكن لتغوص في أعماقه ، وتستخرج ما شاءت من لؤلؤه ومرجانه ما يمكّنها من صنع رجلها الموعود ..
وسنة تتلوها سنة ، بلغت أحلام غايتها وتمكّنت أخيرا من نحت شخص أطلقت عليه اسم رجل ..
طلّقت أحلام عملها المتواضع ، وتزوّجت بشريك حياتها الجديد ، شريك لا يجرؤ احد من صحبها على الإقتراب منها إلا بإذنه بعدإذنها .. أصبحت أحلام سيّدة أعمال يشار اليها بالبنان ..
كان مسترسلا في عرض حاجته عليها ، عندما قامت السّيّدة متّجهة نحو باب مكتبها موحية اليه بالانصراف.
قالت وهي تفتح له الباب : من أخبرك أنّني آنسة ؟
وقبل أن تسمع جوابه أردفت قائلة :
كل ّ النّاس يظنّونني كذلك ، آسفة على عدم تلبية طلبك سيّدي.. سمع الكهل بعيد انصرافه رنين الهاتف وسمعها ترد ّ على طالبها ، نعم أنا السيّدة أحلام .

السابق
أحلام مناورة
التالي
شذرات بنفسجية

اترك تعليقاً