القصة القصيرة

الشبيه

..من حسن حظي انها طردتني سريعا، وفي ظنها انها تطرد زوجها الحقيقي، وإلا قضيتُ وقتا في الجحيم.! إيه، كم تخدعنا المظاهر، نحن الذين نجعل علاقاتنا حفرا من مظاهر خادعة، ونقع جميعا في حفرة كبيرة من مظهر عام لعملة خادعة نتداولها.؟ نحن الذين نكرر كثيرا المثل الدارج على ألسنتنا : ( لمزوق من برا آش اخْبارك من داخل.!) ، لانكف عن الانخداع بتزويق مظهر خادع لانفسنا ولبعضنا البعض.؟ لهذا خدعتني تلك الصورة التي يعلقها على مشجب جسده كما يعلق ربطة العنق في رقبته، وظننت فعلا انه يعيش في النعيم، وقلت لنفسي : ما الضير ان اصير نحلة واحظى بجولة قصيرة في جنته اتذوق خلالها من رحيق ازهارها، فالفرصة بكارة تفتض لمرة لاغير.! مادام قد رجاني ان امر على منزله الذي لم يسبق لي ان طرقت بابه، واوصل سخرة لزوجته بعد ان اضطرته رحلة سفر مباغثة لتغيير وجهته.. المسكين ايضا كان مخدوعا باللوحة الزاهية التي ارسمها عن شخصي، ورآى على زجاجها صورة أخٍ أهل للثقة والاستقامة، فاودعني الامانة وسافر مطمئنا.! لكن الشيطان الذي يسكنني قفز امامي ورفع مرآة رأيت فيها صورة زوجته التي لم أرها من قبل، رأيتها كأجمل امراءة بين نساء المدينة، كما كان يرسمها لنا باستمرار ،على طاولة المقهي، كجزء من لوحة لحياة سعيدة يتقلب على أرائك نعيمها، كأنه يجد لذة في استثارة الحسد داخل نفوسنا.! لهذا اول ماخطر لي، وانا استلم منه السخرة باريحية، ان انتهز الفرصة واستغل الشبه التام بيننا الذي يظهرنا كتوأمين من بويضة واحدة وحوين منوي واحد رغم ان لاصلة قرابة معلومة بيننا، والذي كان اساس تعارفنا بفضل رب عملنا الذي جمع بيننا وجعلنا ننوب عن كلانا في مهمات عملية دون ان يفطن احد.. كنت على يقين ان الشبه التام بيننا في كل شيء، بطاقة بيضاء ينفتح لها باب داره وسرير زوجته، ماعدا بصيص شك حول ماتحت الحزام امام عراء السرير، لكن التشابه في كل شيء: في الطول، في العرض، ولون بؤبؤ العين، ونبرة الصوت..الخ، كان كفيلا بطمأنتي..اكتفيت بتغيير ربطة عنقي باخرى تشبه التي كانت على رقبته فقط، بعد ان اشتريتها، لان كلانا يرتدي نفس البذلة الرسمية، واخذت الطريق الى داره، دون تردد.! لكن الاستقبال العاصف الذي فاجأتني به زوجته، ظانة أني هو، جعل تلك الجنة المرسومة في خيالي نقلا عن جنة متخيلة كان يرسمها لنفسه بفرشاة من كلمات على لوحة من آذاننا، تذوب كمكياج رخيص في مطر غزير..لم أر امامي امراءة من اجمل نساء المدينة ولاعتبة بيت من اسعد بيوتها، وجدت نفسي على عتبة جحيم حقيقي، وامام امراءة لم استطع حتى التحديق في وجهها المشعث غضبا، فخطفت السخرة من يدي، وصاحت بصوت كزئير لبؤة جائعة:
– قلت لي لن تعود هذا اليوم.! كذاب..تفو عليك.!
وقبل ان استوعب الموقف، وألملم ارتباكي وخوفي، دفعتني في صدري بعصا مكنسة كانت في يدها :
– اغرب عن وجهي، ولاتعد اليوم كما قلتَ، وإلا…
اسرعتُ بالخروج قبل ان يستعر الجحيم، ونفضت صورة جنة متخيلة احترقت من خيالي، دون ان استطيع تخمين رد فعلها لو عرفت اني لست زوجها الحقيقي بل شبيهه، ربما رحبت بي واظهرت وجها آخر، لكن ستبقى احضان من جمر على سرير في الجحيم.! لهذا عدت الى داري خائبا، ولم يخطر ببالي، حين طرقت الباب، ان شبيهي هو من سيفتحها في وجهي وليس زوجتي، ففغرت فمي دهشة وكدت اسقط ارضا، وانزلقت الحروف في لعاب منفلت على لساني وتلعثمتْ ، بعد ان صاح في وجهي : ماذا تريد.؟
– ددداري، دداري..
– كيف دارك.!؟
– نن نعم، دداري وووزوجتي…
– اانت احمق.!؟
– ااانا ااحمق..!
– نعم، انت احمق.!
– ددداري ووواحمق.!!
– من انت.!؟
– ااانا..ع عبد القادر…
– لديك بطاقة تعريف.؟
استندت على عامود كهربائي، متحاشيا السقوط في دوماة دوار عصف بتوازني، وانا ارى زوجتي تمد عنقها من وراء كتفه وتؤكد بسخرية بادية:
– نعم، ألديك بطاقة تعريف.؟
فتشت في جيوبي، واعدت التفتيش..لم اعثر على البطاقة..كنت قد نسيتها لما غيرت ثيابي قبل ان اغادر الدار..فسمعت قهقهة ساخرة من شفتي شبيهي ، وحين رفعت عيني التي كأن عمشا اصابها، رأيت بطاقتي في يده، ولم استطع ان افوه بحرف بعد ان طلبت مني زوجتي الذهاب وإلا استدعوا البوليس، واكد شبيهي الامر بصرامة وحزم:
– هيا..وإلا استدعيت البوليس فورا.!
لكني بعد ان ابتعدت لبضعة امتار، توقفت، وقلت لنفسي 🙁 اذن، مادام هو قد صار انا، وانا صرت هو، فان البوليس لن يأخذني انا، بل هو الذي صار انا.!).
ثم عدت الى الباب اطرقها ،طالبا استدعاء البوليس، فهذا افضل من جحيم ينتظرني في داره، بعد ان صارت داري وصرت انا هو.!!

السابق
أمسية
التالي
حلمٌ

اترك تعليقاً